ليست القوة أن تكون الأسرع إلى السلاح، ولا الحكمة أن تصبر بلا نهاية. وبين الاثنين تُعرف هيبة الدول، أن تمنح السلام فرصته كاملة، وأن تملك من الحزم ما يحميها حين تُستنفد تلك الفرص. فالدولة القوية لا تبحث عن الحرب لتثبت قوتها، ولا تجعل حرصها على تجنبها باباً مفتوحاً لاختبار سيادتها. وتلك معادلة عرفتها السعودية منذ تأسيسها؛ تمد يدها لمن يقصدها بسلام، وتدرك أن حماية الأرض والإنسان ليست موضع مساومة.
ولعل ما تعرضت له الرياض خلال الأيام الماضية يعيد هذه المعادلة إلى الواجهة. فالمدينة التي أصبحت عنواناً للتحول والعمران، وملتقى للاستثمار والثقافة والحياة، امتدت إليها يد الخسة والدناءة عبر الهجمات الصاروخية التي أعلنت جماعة الحوثي مسؤوليتها عنها، وطالت مرافق مدنية وحركة الطيران. والرياض ليست مجرد عاصمة سياسية؛ إنها مدينة يعيش فيها الملايين، ويقصدها الناس للعمل والعلم والرزق. وحين تصبح سماؤها ومرافقها المدنية في دائرة التهديد، فإن المسألة تتجاوز الخصومة العسكرية إلى المساس بأمن الإنسان واستقرار الحياة.
ومنذ أن وحّد الملك عبدالعزيز هذه البلاد، ارتبط بناء الدولة بتثبيت الأمن وجمع الكلمة وإرساء الاستقرار. وعلى امتداد عهود ملوكها، اتسعت مسؤوليات المملكة، فحضرت في جهود المصالحة والإغاثة ودعم الدول المتضررة من الحروب والكوارث. ولم يكن اليمن بعيداً عن هذا النهج؛ فقد ظل أمنه واستقراره جزءاً من الحسابات السعودية، لا باعتباره أرضاً للتوسع، بل جاراً يتصل أمنه بأمن المملكة، وترتبط معاناة شعبه باستقرار المنطقة بأسرها.
وقد أمضت المملكة سنوات تدعم المسارات السياسية والإنسانية الرامية إلى إنهاء الأزمة اليمنية، غير أن التصعيد الأخير أعاد المواجهة إلى مرحلة شديدة الحساسية. ومع التحركات العسكرية التي أعلنتها القوات الحكومية اليمنية، وما ورد عن مساندة التحالف بقيادة المملكة، برزت احتمالات تغير موازين القوة. لكن الأمل الحقيقي لا ينبغي أن يُختزل في عدد المواقع المستعادة؛ فاليمنيون الذين أنهكتهم سنوات الحرب ينتظرون عودة الأمن والمؤسسات والحياة الطبيعية، لا مجرد انتقال الصراع من جبهة إلى أخرى.
ولعل أخطر ما في هذا التصعيد أن تمتد الهجمات إلى المطارات والمنشآت المدنية، وكأن حياة الأبرياء أصبحت جزءاً من حسابات الضغط العسكري. وحتى الحرب، بكل قسوتها، لها قانون وأخلاق وحدود؛ فاستهداف المدنيين عمداً محظور، والهجمات العشوائية لا تكتسب مشروعيتها لمجرد أن صاحبها يعلن هدفاً سياسياً أو عسكرياً. وحين تصبح حياة المسافر والطفل والعامل المدني عرضة للخطر، لا يعود السؤال من يملك السلاح الأقوى، بل من يحترم الحد الأدنى من إنسانية الحرب.
ولعل من أخطر الأخطاء في حسابات الصراع أن يُقرأ ضبط النفس باعتباره عجزاً، وأن تُفهم الدعوة المتكررة إلى السلام على أنها غياب للقدرة على الرد. فالمملكة لم تمنح المساعي السياسية فرصتها لأنها تفتقر إلى أدوات القوة، بل لأنها تدرك كلفة الحرب وعواقبها. غير أن استمرار الاعتداءات يضع هذا النهج أمام اختبار بالغ الجدية؛ فالصبر الذي يحمي فرص السلام لا يجوز أن يتحول في حسابات المعتدي إلى ضمانة للإفلات من تبعات عدوانه.
وفي هذا السياق، تبرز جاهزية القوات المسلحة السعودية وقوات الدفاع الجوي، وما تضطلع به من مسؤوليات في حماية الأجواء والمنشآت الحيوية ومساندة الجهود العسكرية. فخلف كل عملية اعتراض ناجحة رجال يحملون أمانة الوطن، ويؤدون واجبهم باحتراف وانضباط في ظروف بالغة التعقيد. وهذه الجاهزية ليست مجرد قوة عسكرية؛ إنها أحد أسباب الطمأنينة التي يعيشها المواطن، وأحد مقومات استمرار الاقتصاد والحياة رغم اضطراب المنطقة.
ومن الناحية القانونية، فإن حق الدولة في حماية سيادتها وسكانها ومقدراتها حق أصيل، ويقر ميثاق الأمم المتحدة حق الدفاع عن النفس عند وقوع هجوم مسلح، وفق ضوابط الضرورة والتناسب. ولذلك فإن الردع المسؤول لا يُقاس بشدة الضربة وحدها، بل بقدرته على وقف الاعتداء ومنع تكراره، مع احترام قواعد حماية المدنيين. فالقوة التي تستحق الاعتزاز هي التي تصون الحياة، لا التي تجعل الدمار غاية في ذاته.
وإذا كان ثمة أمل يولد من هذه المرحلة الصعبة، فهو أن تفضي التحولات الجارية إلى تسوية تعيد لليمنيين دولتهم وأمنهم، وتنهي سنوات المعاناة والانقسام. فلا ينبغي أن يصبح اليمن ساحة لحرب لا تنتهي، ولا أن تبقى أراضيه ومياهه ومجاله الجوي مصدراً دائماً للتهديد. والاستقرار الحقيقي لا يتحقق بإسكات السلاح مؤقتاً، بل بقيام مؤسسات قادرة على حماية الناس وصون السيادة ومنع تجدد الصراع.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي طرف يهدد أمن المملكة ليس أن يجهل قدراتها، بل أن يسيء تفسير حكمتها. فالدولة التي تختار التهدئة لا تتخلى عن حقها في الدفاع، والتي تحرص على السلام لا تقبل أن يتحول حرصها إلى مساحة مفتوحة للاعتداء. وبين الحزم والحكمة تتحدد مسؤولية الدولة: أن تحمي شعبها، وتصون سيادتها، وتسعى إلى سلام لا يكون فيه أمن المدنيين رهينة للسلاح.
فالرياض التي تفتح أبوابها لمن يقصدها بسلام، لا تترك أمنها رهينة لمن يهددها بالسلاح. والمملكة التي عرفت متى تصبر، تعرف كذلك كيف تحمي سيادتها وتصون حياة شعبها. وبين حكمة السلام وحزم الدفاع تقف دولة لا تجعل الحرب غايتها، ولا تسمح بأن يصبح ضبط النفس ذريعة لاستمرار الاعتداء عليها.