أعاد حادث المعلمات الخمس وسائقهن شرقي الطائف، ملف تنقل معلمات المدارس النائية إلى الواجهة مجدداً، في ظل ما تفرضه الرحلات اليومية الطويلة من مخاطر، في قضية تمتد لسنوات تعاقبت خلالها الحوادث والمطالبات بإيجاد حلول تحد من مشقة الطريق وتحمي المعلمات في رحلتي الذهاب والعودة إلى مدارسهن.
وكشفت ورقة علمية سابقة عُرضت في المؤتمر الدولي الأول للنقل المدرسي، أن حوادث المعلمات بلغت 6.2% مقابل 4% للمجتمع، مسجلة 418 حادثاً خلال الفترة من 1419 إلى 1422هـ، وتصدّرت انفجارات الإطارات والسرعة وسوء الأحوال الجوية أبرز مسبّبات الحوادث.
ومنذ ذلك الحين، ظل ملف حوادث المعلمات حاضراً، وآخر فصوله قبل أيام قليلة، عندما تعرّضت مركبة تقل خمس معلمات بعد مركز رضوان شرقي الطائف لحادث مروري، أسفر عن وفاتهن جميعاً وسائقهن.
رحلات تتجاوز 500 كيلومتر
تتفق شهادات المعلمات وأولياء الأمور على أن التنقل بين المدن والقرى والهجر يظل رحلة محفوفة بالمخاطر، خصوصاً مع المسافات الطويلة التي تقطعها بعض المعلمات يومياً، وما يرافق ذلك من إرهاق جسدي ونفسي ومخاوف من الحوادث والأعطال. وكان حادث معلمات قرية حيلان، أحد الفصول المؤلمة في هذا الملف، إذ راحت خمس معلمات وسائقهن ضحايا حادث مروري على الطريق.
وفي تفاصيل يومهن، كانت معلمات مجمع حيلان الابتدائي والمتوسط يجمعن متعلقات السفر عند الرابعة فجراً، استعداداً لقطع أكثر من 500 كيلومتر ذهاباً وإياباً، على أمل العودة بعد يوم شاق لقضاء عطلة نهاية الأسبوع مع أسرهن، إلا أن ذلك اليوم كان الأخير لهن، في حادث بدد أحلامهن وسائقهن.
طالبات يسألن عن معلمتهن الراحلة
معلمات روين لـ «عكاظ» معاناتهن مع السفر اليومي، وتقول هند محمد: إن السفر اليومي أصبح «قطعة من العذاب»، لأنها تغادر منزلها قبل الفجر لقطع مسافة تصل إلى 200 كيلومتر، تاركة أطفالها مع والدهم.
وتشير الجوهرة العلي، إلى أنها تعود أحياناً إلى منزلها بعد رحلة شاقة لتنام، ثم تستيقظ لإعداد دروس اليوم التالي، ولا تلتقي كثيراً أفراد أسرتها إلا نهاية الأسبوع.
أما روان العتيبي، فأوضحت أن فاجعة وفاة إحدى زميلاتها في حادث مروري سابق لم تغب عن مخيلتها، وأشارت إلى أن طالباتها ما زلن يسألن عنها.
واضطرت خلود العتيبي، إلى الانتقال مع والدها ووالدتها للسكن في إحدى القرى المجاورة للمدرسة، خشية حوادث الطريق اليومية، فيما تصف بدرية العتيبي، معاناة المعلمات بأنها تزداد بالنسبة للمعلمة الحامل وما يصاحب السفر اليومي من متاعب، فضلاً عن المعلمات اللاتي لديهن مواليد جدد، مؤكدة أن الألم النفسي والاجتماعي يكون مضاعفاً.
متى تنتهي المعاناة؟
قالت معلمة تعمل خارج الطائف لـ«عكاظ»: إن المعلمات يقطعن مسافة تتجاوز 480 كيلومتراً ذهاباً وعودة، ويغادرن منازلهن عند الثالثة فجراً ويعدن في الرابعة مساء، وسط مخاوف مستمرة من حوادث الطرق والأعطال التي قد تصيب المركبات، فضلاً عن الإرهاق والتعب النفسي والجسدي والخوف من المجهول.
وتساءلت: «في المدرسة التي نعمل بها هناك معلمات يغادرنها بشكل يومي إلى جهات أخرى بالتخصصات نفسها، فلماذا لا تستقر المعلمات في قراهن وهجرهن بدلاً من المعاناة والمطالبات اليومية والوعود السنوية من وزارة التعليم بوقف المعاناة؟»
وتشير إلى أن أكثر من 500 معلمة ينطلقن من محافظة الطائف باتجاهات مختلفة، بين طريق الرياض والجنوب وشمال وشرق الطائف.
وفي المقابل، طالب أولياء أمور وزارة التعليم بإعادة معالجة الملف ووضع حلول تحد من مخاطر الرحلات اليومية، وقالت فاطمة محمد، إنها تسكن في منطقة نائية مع مجموعة من المعلمات في منزل بإحدى القرى، ويعدن في نهاية الأسبوع إلى مناطق أسرهن. وانتقد عدد من أولياء الأمور ما وصفوه بالعشوائية في التعيينات، وقالوا: إنها تؤدي إلى استمرار المخاطر على الطرق، خصوصاً أن كثيراً من المعلمات يقطعن ساعات طويلة للوصول إلى مقار أعمالهن.
برنامج «سابق».. حلول لم تثمر
كانت وزارة التعليم اعتمدت في وقت سابق برنامجاً لمعلمات المدارس النائية، يقضي بتقليص دوام المعلمات إلى ثلاثة أيام أسبوعياً بالتناوب، مع استمرار الدراسة خمسة أيام، مع إمكانية تأخير بداية الدوام ساعة وفق ظروف كل مدرسة، ضمن حلول استهدفت الحد من مخاطر تنقل المعلمات عقب حوادث مرورية شهدتها مناطق عدة.
إلا أن تطبيق البرنامج لم يعد حاضراً بالصورة التي أُعلن عنها آنذاك، بعد تطبيق برنامج الحضور، لتعود مسألة التنقل اليومي الطويل إلى واجهة المطالبات مجدداً.
حلول عملية مستدامة
ويرى مختصون تحدثوا لـ«عكاظ»، أن استمرار تنقل المعلمات لمسافات طويلة يفرض أبعاداً تربوية ونفسية واجتماعية ونظامية، وأن معالجة الملف تتجاوز التعامل مع الحوادث بعد وقوعها إلى إجراءات وقائية تحد من المخاطر وتحفظ سلامة المعلمات.
ويقول المستشار التربوي والتعليمي مرزوق محمد الثبيتي لـ«عكاظ»: إن خلف كل حادث تتعرض له معلمة في طريقها إلى مدرستها أسرة تنتظر عودتها، وطالبات ينتظرن حضورها، ومدرسة تتأثر بفقدها، موضحاً أن حادث المعلمات الخمس شرق المويه، يعيد إلى الواجهة ملفاً إنسانياً وتربوياً يستحق معالجة جادة.
وأضاف أن المعلمة التي تفقد حياتها أو تتعرض للإصابة وهي في طريق أداء رسالتها لا يتوقف أثر غيابها عند أسرتها، بل يمتد إلى زميلاتها وطالباتها واستقرار المدرسة بأكملها.
وأكد الثبيتي، أن اضطرار بعض المعلمات إلى قطع مسافات طويلة يومياً يضاعف أعباءهن الجسدية والنفسية، ويجعل سلامة الطريق جزءاً من استقرار البيئة التعليمية، مبيناً أن المعلمة تحتاج إلى الأمان والطمأنينة لتؤدي رسالتها بكفاءة وتركيز.
وطالب بحلول عملية ومستدامة تبدأ بحصر أوضاع المعلمات اللاتي يقطعن مسافات طويلة، ومنح حالاتهن أولوية في النقل إلى مدارس أقرب إلى مقار سكنهن متى أمكن، إلى جانب دراسة توفير سكن آمن بالقرب من مقار العمل، وتطوير نقل جماعي منظم يخضع لمعايير صارمة في سلامة المركبات وكفاءة السائقين.
وختم الثبيتي، بالتأكيد على أن سلامة المعلمة ليست قضية نقل فحسب، بل قضية تعليم وجودة حياة ومسؤولية مجتمعية، وأن من تحمل رسالة بناء الأجيال من حقها أن تصل إلى مدرستها آمنة وأن تعود إلى أسرتها سالمة.
تحمّل المشاق ليس معياراً للإخلاص
الباحث التربوي مخلد الروقي أكد لـ«عكاظ»: أن سلامة المعلمة ينبغي أن تكون من صميم التخطيط التعليمي، موضحاً أن المعلمة التي تصل إلى مدرستها بعد رحلة طويلة ومرهقة تحتاج إلى الأمان والاستقرار حتى تؤدي رسالتها وتمنح طالباتها الاهتمام والرعاية والتعليم الجيد.
وشدد على أنه لا ينبغي أن تكون قدرة المعلمة على تحمل مشقة الطريق معياراً لإخلاصها، مؤكداً أن حقها في الحياة والأمان يسبق كل مطالبة بالأداء والإنجاز.
وأضاف أن الحل يبدأ بمعالجة أسباب التنقل اليومي الطويل، من خلال إعادة تخطيط توزيع المعلمات والمدارس، وإعطاء أولوية في النقل لمن يواجهن الرحلات الأشد خطورة ومشقة، مع التوسع في تأهيل وتوظيف الكفاءات التعليمية من أهالي المناطق البعيدة، بما يحفظ حق الطالبات في تعليم مستقر وجيد.
كما دعا إلى توفير نقل مهني مأمون يخضع لرقابة فعلية على المركبات والسائقين وساعات القيادة، مع إتاحة سكن مناسب وآمن قرب المدارس لمن ترغب فيه، ووضع إجراءات واضحة لتعديل الحضور أو تعليق التنقل عند ارتفاع مخاطر الطريق.
واقترح الروقي حصر مسارات تنقل المعلمات وتقييم خطورتها، وتحديد مسؤولية واضحة عن معالجتها ضمن خطة معلنة ومؤشرات تقيس انخفاض زمن الرحلات وتحسن سلامتها، مشدداً على أن إنصاف المعلمة يبدأ حين تتحول معاناتها إلى أولوية في القرار التعليمي، وحين يقترن الوفاء للراحلات بإجراءات تحمي زميلاتهن.
جرح يتجاوز الحدث
الأخصائية النفسية أمل الجهني قالت لـ«عكاظ»: إن حوادث المعلمات، خصوصاً من يقطعن مسافات طويلة يومياً، تترك جرحاً يتجاوز موقع الحادث إلى أسرهن ومدارسهن، موضحة أن وفاة المعلمة تعني فقداً مفاجئاً لشخص يشكل جزءاً من أمان الأسرة واستقرارها، بينما قد تضع إصابتها الجميع أمام قلق طويل على صحتها ومستقبلها.
وأوضحت أن صدمة الفقد داخل الأسرة قد تختلط بالحزن والعجز، فيما قد يعبّر الأطفال عن ألمهم بالخوف أو اضطراب النوم أو التعلق بمن بقي حولهم، أما المعلمة الناجية فقد يستمر خوفها من الطريق بعد تعافي جسدها، وتصبح العودة إلى العمل تحدياً نفسياً يحتاج إلى تفهم ومساندة.
وأشارت الجهني، إلى أن الحزن يمتد داخل المدرسة إلى الزميلات والطالبات، فغياب المعلمة يترك فراغاً في علاقة إنسانية تمنح التعليم دفئه، كما قد يزيد قلق المعلمات اللواتي يسلكن الطرق نفسها يومياً.
وأكدت أن الدعم يبدأ بالإنصات للمشاعر، واحترام الحزن، وتجنب تداول المشاهد المؤلمة، وإتاحة المساندة النفسية عند الحاجة، مشددة على أن سلامة التنقل وتقليل مشقته مسؤولية تحمي المعلمة وتمنح أسرتها الطمأنينة التي تستحقها.
من نقل الحادث إلى متابعة الحلول
أكدت الأستاذ المساعد بقسم الإعلام بجامعة الطائف الدكتورة بشاير كامل الحرازي لـ«عكاظ»: أن دور الإعلام في حوادث المعلمات يتجاوز نقل تفاصيل الحادث وأعداد الوفيات والإصابات، إلى البحث في أسباب تكرارها، من حيث بُعد مقار العمل وطول مسافات التنقل ومدى أمان وسائل النقل والطرق.
وقالت: إن الإعلام مطالب بتقديم القضية بصورة متكاملة، عبر عرض الأرقام والبيانات ونقل تجارب المعلمات والاستعانة بالمختصين، وفتح المجال أمام الجهات المعنية لتوضيح الحلول الممكنة، مشيرة إلى أن الإعلام لا يملك الحل بحد ذاته، لكنه يسهم في تحديد مكامن المشكلة وطرح خيارات معالجتها.
وأضافت أن من الحلول التي يمكن فتح النقاش حولها توفير وسائل نقل أكثر أماناً، وتقليل مسافات التنقل، ومراجعة توزيع المعلمات ومقار عملهن، خصوصاً في المناطق البعيدة، إلى جانب رصد الطرق التي تتكرر فيها الحوادث ومعرفة أسبابها.
وشددت الحرازي على أهمية استمرارية المتابعة، مؤكدة أن التغطية الإعلامية المؤثرة لا تنتهي بنشر القصة، بل تتابع ما طُرح بشأنها وما تحقق على أرض الواقع، بما يسهم في تحويل الاهتمام بالقضية إلى خطوات يمكن قياس أثرها مستقبلاً.
استقرار اجتماعي مفقود
الأخصائية الاجتماعية آمال عبدالقادر أوضحت لـ«عكاظ»، أن قضية المعلمات المعينات في القرى والمناطق النائية تستحق أن تُدرس باعتبارها قضية اجتماعية وإنسانية ذات أبعاد نفسية وأسرية ومهنية، وليست مجرد تحدٍ مرتبط بالتنقل.
وأضافت أن التنقل اليومي لمسافات طويلة عبر طرق وعرة، وما يصاحبه من إرهاق وتأخر في العودة إلى المنزل، يضع المعلمة وأسرتها تحت ضغط مستمر، إذ تعيش الأسرة حالة من القلق والترقب مع كل رحلة، وقد يتحول هذا القلق إلى معاناة يومية تؤثر في الاستقرار الأسري والصحة النفسية وجودة الحياة.
وأضافت آمال عبدالقادر، أن حوادث الطرق وما ينتج عنها من إصابات ووفيات هي الجانب الأكثر قسوة في هذه القضية، إذ يقف خلف كل حادث أسرة تتلقى صدمة، وأبناء قد يفقدون والدتهم، ووالدان قد يفقدان ابنتهما، ومجتمع يتحمل آثاراً نفسية واجتماعية لا تنتهي بانتهاء الحادث.
وأكدت أن السلامة ليست أمراً يمكن تأجيله حتى تقع الكارثة، وأن المطلوب تدخل وقائي واستباقي، بتوفير نقل آمن وسكن مناسب وتحسين الطرق وتقليل مسافات التنقل، إلى جانب دراسة الأثر الاجتماعي والنفسي لسياسات التعيين، مبينة أن المعلمة تؤدي رسالة، ومن واجب المنظومة أن تحمي الإنسان الذي يحمل هذه الرسالة، لا أن تنتظر حتى يصبح الخطر خبراً جديداً.
الحادث.. «إصابة عمل»
المحامي نبيل ملحان قال لـ«عكاظ»: إن ما يحدث للمعلمات اللاتي يقطعن يومياً مسافات طويلة للوصول إلى مدارسهن النائية لم يعد مجرد مشكلة نقل، بل أصبح مسألة تمس سلامتهن وحقوقهن الوظيفية والتأمينية.
وأوضح أن وفاة خمس معلمات وسائقهن في حادث الطائف الأخير أعادت فتح الملف، خصوصاً مع ما أُعلن عن قطعهن نحو 400 كيلومتر يومياً ذهاباً وإياباً.
وبيّن ملحان، أنه من الناحية النظامية، تقرر المادة (30) من نظام التأمينات الاجتماعية أن الحادث الذي يقع للمشترك أثناء انتقاله من مسكنه إلى محل عمله أو بالعكس يُعد في حكم إصابة العمل، متى ثبت ارتباط الحادث بالطريق المعتاد للذهاب إلى العمل أو العودة منه، وتترتب عليه الآثار التأمينية المقررة، دون اشتراط وصول الموظفة إلى مقر العمل.
وفيما يتعلق بالنقل، أكد أنه لا ينبغي أن تتحمّل المعلمة وحدها تبعات بُعد مقر العمل، مشيراً إلى أن النقل التعليمي يخضع للاحتياج والمفاضلة، مع بقاء توفير بيئة عمل آمنة مسؤولية تنظيمية.
وكشف أنه بالنسبة للعقود المكانية، فإن التعاقد يحدد مقر العمل.