حسب نشرة إحصاءات التقديرات السكانية لعام 2024 تراجع معدل الخصوبة في السعودية إلى 2.7، وفقاً للهيئة العامة للإحصاء، وكان معدل الخصوبة للسعوديين في عام 2011 يبلغ 3.8، واستمر في الانخفاض التدريجي خلال السنوات العشر الماضية «عكاظ، السبت 8 فبراير 2025»، وبالقياس على ما حصل في الدول الغربية والصناعية والمتقدمة يرشح أن يصل الأمر لانتشار الاكتفاء بابن واحد، وغالباً ينظر لهذه المسألة لجهة اعتبارات النمو السكاني الضروري لحفظ التوازن السكاني، لكن الأهم من هذا الاعتبار من منظور الفرد هو الدراسات النفسية والاجتماعية عن ظاهرة الابن الواحد التي فرضت في الصين بقرار حكومي وفي بقية الدول الغربية والصناعية بقرار المصلحة الشخصية للأزواج، فرغم المكاسب في تركيز الوالدين لمواردهما على طفل واحد، لكن الابن الوحيد يعاني مما تسمى «متلازمة الطفل الواحد»، وهي مجموعة من السمات التي يتسم بها الابن الذي ينشأ دون إخوة وغالبها سلبي، ويظهر عدم تطور المهارات الاجتماعية لدى الابن بالإضافة لمعاناة الابن من الوحدة خاصة في مرحلة الطفولة التي يحتاج فيها إلى من يشاركه في اللعب، لكن احتياج الابن للأخوة لا ينتهي بانقضاء مرحلة الطفولة، فكل من نشأ مع إخوة يعلم أن كل العلاقات يمكن أن تكون عابرة ولا تعمر حتى العلاقة الزوجية يمكن أن تنتهي بأي وقت بالطلاق، والأصدقاء تكشف المحن معدنهم غير الأصيل، والوالدان يتوفيان ولا يبقى للإنسان سوى إخوته كسند يمكنه الاعتماد عليهم فيمتن لوالديه أنهما أنجبا له الإخوة والأخوات، فهذا معروف ومساعدة منهما للأبناء يبقى لهما بعد وفاتهما، وبالطبع هناك اعتبارات اقتصادية تضغط باتجاه تقليل عدد الأبناء؛ ولذا كثيراً ما يتطلب إنجاب أكثر من ولد تضحية من الزوجين، وبالنظر لفوائد وجود إخوة يبدو أنه حق من حقوق الابن أن يكون له إخوة ولا يكون وحيداً، لكن وجود إخوة وأخوات لا يكون بحد ذاته إيجابياً إن لم تتزامن معه تربية صحيحة؛ فحسب الدراسات النفسية والاجتماعية، علاقات الإخوة القائمة على التنمر تترك مشاكل نفسية تستمر حتى بعد الكبر؛ ولذا يجب على الوالدين أن يوازنا بين عدد الأبناء وبين القدرة على التربية المركزة لهم؛ فهناك من ينجب عدداً كبيراً من الأبناء ولا تكون هناك موارد ولا وقت ولا قدرة لدى الوالدين على منح كل واحد منهم الاهتمام، والوقت الذي يحتاجه كل واحد من الأبناء، والنتيجة تكون علاقات سيئة بين الإخوة وخالية من الحب مما يجعلهم يتصارعون على الإرث كأنهم أعدى الأعداء، وليس نادراً وصول درجة العداوة بين الإخوة إلى القتل، والتربية في عصرنا لم تعد بالأمر السهل وتتطلب موارد ووقتاً وجهداً مضاعفاً من الوالدين واكتساب المعرفة والثقافة النفسية اللازمة عن كيفية تنشئة الأبناء بشكل سليم، فالتربية الاعتباطية العشوائية تسبب جراحاً وتشوهات وعقداً ومشاكل نفسية واجتماعية لدى الأبناء لكل العمر؛ ولذا من حق الأبناء أن يكتسب الوالدان المعرفة العملية اللازمة لتنشئتهم بشكل سليم، وفي عصر الحصول على الكتب بضغطة زر ومجاناً لم يعد عذراً مقبولاً، تحجج الوالدين بصغر سنهما عند الزواج وعدم الخبرة وعدم معرفة الأفضل، كما أن جميع الدراسات على الطلاق توصلت إلى أن السبب الرئيسي للطلاق هو عدم امتلاك الزوجين للمعرفة الصحيحة عن الحياة الزوجية؛ ولذا هو أيضاً من حقوق الأزواج على بعضهم أن يكتسبوا المعرفة النفسية والاجتماعية الضرورية عن الحياة الزوجية قبل الزواج، وسيكون مفيداً من جميع الأوجه إضافة مادة تثقيفية علمية للطلاب الجامعيين عن الزواج وتربية الأبناء، ولا تكون قائمة على الثقافة التقليدية، وإنما على الدراسات العملية.