سعدت بدعوة لزيارة فرع المركز السعودي للتنافسية والأعمال – الفرع القطاعي مع وزارة السياحة، وجرى خلال الزيارة استعراض جهود المركز ومبادراته في تعزيز التنافسية، ودعم بيئة الأعمال، وتمكين القطاعات بما يسهم في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
لفتتني لوحة البيانات التي أمامي؛ أرقام كبيرة تختصر حجمًا واسعًا من العمل، فهناك 19,169,483 خدمة، و2,656,653 منشأة تمت خدمتها، و3,215 خدمة متاحة عبر المركز، إلى جانب 430,046 سجلًا تجاريًا حُدّثت بياناته، و866,306 سجلات حُدّثت بيانات ملكيتها. وهذه الأرقام في حقيقتها تتحدث عن مستثمرين وأصحاب أعمال ومنشآت، لكل واحد منهم رحلة وتحديات ووقت وتكلفة.
وهنا تأتي أهمية المركز؛ فالمستثمر يحتاج إلى جهة تختصر عليه الطريق، وتجمع له الخدمات، وتوضح له المتطلبات، وتساعده على معرفة الإجراء الصحيح والجهة المعنية به. ومن خلال منصة الأعمال يستطيع المستثمر الوصول إلى مجموعة واسعة من الخدمات في مكان واحد، بدءًا من تأسيس المنشأة وإصدار السجلات والتراخيص، مرورًا بتعديل بيانات المنشأة وتجديد التراخيص، ووصولًا إلى الخدمات المرتبطة بالتوسع وممارسة النشاط.
وأرى أن قيمة المركز تتجاوز فكرة تقديم الخدمة؛ فهو يمثل مساحة مهمة لحماية رحلة المستثمر وحقوقه من خلال وضوح الإجراءات والمتطلبات، وتوحيد رحلة الحصول على الخدمة، وإتاحة قنوات واضحة للاستفسار ومعالجة التعثرات. وكلما عرف المستثمر ما له وما عليه، والمدة المتوقعة للخدمة، والمتطلبات النظامية التي يحتاج إليها، أصبح أكثر قدرة على اتخاذ قراراته بثقة، وحماية وقته وماله وجهده.
كما أن المركز يعمل على تحسين رحلة المستثمر من خلال مراجعة الإجراءات وتطويرها بالشراكة مع الجهات الحكومية، وقد تجاوز عدد الإصلاحات الاقتصادية والإجرائية والتقنية التي نُفذت عبره ألف إصلاح، بالشراكة مع عشرات الجهات الحكومية.
وهذا جانب مهم في مفهوم التنافسية؛ فالتنافسية لا تعني فقط أن نملك اقتصادًا قويًا، وإنما أن يشعر المستثمر بأن بيئة العمل من حوله واضحة، وأن الأنظمة والإجراءات تساعده على النمو، وأن صوته وملاحظاته تصل إلى الجهات المعنية.
خرجت من الزيارة وأنا أفكر في أن الرقم الكبير على الشاشة يحمل خلفه قصة صغيرة لمستثمر؛ ربما بدأ مشروعه، أو نقل ملكية منشأته، أو أصدر ترخيصًا، أو اختصر أيامًا من الانتظار، وحين نختصر على المستثمر خطوة، فإننا نمنحه وقتًا. وحين نمنحه وقتًا، نمنح مشروعه فرصة أكبر للنمو.
وهنا تتحوّل الأرقام من مؤشرات على لوحة إلى أثر حقيقي في الاقتصاد؛ لأن وراء كل خدمة منشأة، ووراء كل منشأة فكرة، ووراء كل فكرة فرصة يمكن أن تصنع شيئًا جديدًا في وطن يمضي بثقة نحو مستهدفات رؤيته.
ختامًا.. قد تختصر لوحة الأرقام ملايين الخدمات في أرقام، لكن خلف كل رقم إنسانًا لديه فكرة، ومنشأة تبحث عن فرصة، واستثمارًا ينتظر أن يكبر وضغطة زر تنجز مشوار من السنوات.