من يرقب تحركات الحوثي منذ ثلاث سنوات أي انطلاق المعارك في 7 أكتوبر 2023 في غزة، ثم توسعها في مختلف الجبهات، يرى أنه كان يقوم بتحركات محسوبة لا تستدعي الاستنزاف الكامل وجلب الضربات الإسرائيلية والأمريكية في حدها الأدنى، وسعياً للحفاظ على شعرة معاوية مع السعودية ومصر لتجنّب وصول التأثير على الملاحة لمنطقة تجبر الأطراف على التصدي لأعمال القرصنة الحوثية.
ولهذا ما تلقته الجماعة من ضربات كان أقل تأثيراً مما تعرّضت له حماس وحزب الله، لكنها بالتوازي مع المعارك وجدت عاملين رئيسيين يستحقان الانتباه؛ الأول هل لو كنت خارج المعركة سأكون خارج الاتفاق بين إيران وواشنطن؟ وماذا سيعني ذلك من خسارة مكاسب سياسية لو كان الحوثيون بنداً في الاتفاق، ويعرف الحوثيون جيداً أن إيران ساومت عليهم في سويسرا قبل اتفاق 2015، وأصر المفاوضون الأمريكان حينها على حصر التفاوض في الملف النووي.
العامل الآخر هو العامل الاقتصادي السيئ جداً، والتخلف عن دفع الرواتب في مناطق سيطرة الحوثيين، بالإضافة لأزمات الطاقة والغذاء وغيرها، وبالتالي يجب العمل على السعي للحصول على مكاسب اقتصادية من السعودية ومن المجتمع الدولي، وربما البناء على فترة الضغط الاقتصادي القصوى، التي تحاصر بها أمريكا مضيق هرمز، وتدّعي طهران أنها تغلق المضيق أيضاً لرفع أسعار الطاقة، بالتوازي مع استهداف ناقلات نفط، في مسعى لتحقيق أكبر ضرر اقتصادي على واشنطن، على أمل أن يحقق الديموقراطيون أفضل نتيجة ممكنه في الانتخابات النصفية في شهر نوفمبر المقبل.
وربما أتت التصريحات الأمريكية التي تذكر أنها لن تشارك مباشرة في ملعب اليمن، لكنها ستمد التحالف بالمعلومات الاستخبارية، كإشارة فُهمت خطأً من الحوثي باعتبارها ضوءاً أخضر لهم لمهاجمة الناقلات السعودية والأعيان المدنية، ويبدو قصر النظر الحوثي أضاف عاملاً آخر للوصول لسوء التقدير، وهو حرص المملكة ودول الخليج على تجنّب الدخول كطرف في معركة مباشرة في حرب أطرافها أمريكا وإسرائيل وإيران.
تناسى الحوثي حين كان يبني قدراته المحلية لصناعة الأسلحة والمسيّرات عبر قطع مفرقة يستوردها من الصين، وتمر بعدة مراحل لتغيير المشتري وبلد الشراء لإخفاء بصمات المشتري الفعلي، أن السعودية بدورها دولة كبيرة ووازنة في المنطقة وذات رؤية اقتصادية لا تخلو من تطوير القدرات العسكرية المحلية ونقل المعرفة، بالإضافة إلى إجراء مناورات دورية على أعلى مستوى، وبدورها لديها تراكم سواء من 2009 أو 2015 وصولاً لليوم على المستوى العسكري والاستخباري في اليمن.
لكن ما ينساه بشكل أكبر هو القدرة الدبلوماسية والسياسية للمملكة، والتي تسهم بالفاعلية الشديدة بعيداً عن الضوضاء، فاليوم استطاعت السعودية تفعيل اتفاق مكة مع باكستان وتركيا، ومن يسمع خطاب عبدالملك الحوثي الأخير يلحظ بين أقنعة الثقة نبرة الخوف من تحرك هذا الحلف، كما أن الدبلوماسية السعودية الفاعلية نجحت في التعاون مع فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وموافقة من الاتحاد الأوروبي على مستويات مختلفة من التعاون العسكري الدفاعي وحماية الملاحة في البحر الأحمر.
عندما قرر الحوثي أن ينقض العهد الذي تم في 2022، يبدو أن المحرك كان نتاج خليط من سوء القراءة لتطورات المشهد وسوء التقدير لردات الفعل السعودية، وهذا ما أشرت له قبل شهرين في مقال بعنوان «من أيقظ الحوثي.. ومتى يستيقظ العالم»، فأحد أهم المكاسب الدبلوماسية اليوم مقارنة بقبل عشر سنوات، أن العالم يدرك اليوم أن الحوثيين حركة إرهابية وتم الخروج من سذاجة الاعتقاد بأنهم حركة الاستقلال الإيرانية بقيادة غاندي، وبالتالي نجحت السعودية في تسويق السردية الحقيقية عن الجماعة.
قال الملك فيصل رحمة الله عليه يوما: «لا تغضب، لا تغضب، وإذا غضبت لا ترضى».