للأوطان تاريخٌ وذاكرة وروح وعنوان، ومادة كيان تتمثّل فيما وبما يحققه الإنسان، وكما أن للأبدان شخوصها ومُفعلوها؛ للبلدان آباؤها ومؤسسوها، ولها صانعو مستقبلها ومبدعوها ومُلهِموها ورموزها وقديسوها؛ وإذا كان أمام ناظرينا اليوم من يتنكّر لزعماء أحياء، ويتطاول على أوطان عطاء ويجحد فضلها؛ فكيف بأسلاف مضوا في أزمنةٍ لا تقلُّ عن زمننا هذا شراسةً وخُبثاً وفشلاً وتآمراً؟
تتآمر المجموعات الفاشلة والحاسدة على الناجح، من الدّوَل والقادة والأوطان والأنداد، شأنها في ذلك شأن الأفراد الحاسدين الفاشلين، ويمكن تفهّم وتفسير نزعة التآمر على الناجحين، بحكم ما في طبيعة البشرية الطينية من وحل وعفونة، ونحن إن تفهّمنا خساسة الأصل ربما لا نسبر غور نذالة الفرع؛ ولا نصل إلى كنه أسبابها ومغذياتها، وهناك من يتصاعد لديه مؤشر الأذى، بقدر ما يرتقي إنسان، أو تسمو أوطان.
نعرف أن الكائن البشري الطبيعي؛ نقيّ الفطرة، قنوع وراضٍ بما قسم الله تعالى له من رزق وحواس، ولذا لا غرابة في كونه يرى النجاحات نصيباً واجتهاداً؛ ولكل مجتهد نصيب، بينما المولود ببذرة فشل؛ يرى في نجاح غيره كشفاً لسوأته، وفضحاً لعواره، وفتحاً لأبواب اللوم له؛ والتندر عليه، ولذا تزعجه أنباء النجاحات، وتقلق راحته فخامة الاستحقاقات؛ فيلجأ إلى التهوين من شأنها، وإن علا صيتها، وذاعت شهرتها، ويلجأ إلى السفالة والنذالة؛ من منطلق (ما الذي زاد به عنا لينجح أو يتفوّق أو يُذكَر؟).
كل استعادة لتاريخ وطني المملكة العربية السعودية؛ فيها استعادة لمعنى الهويّة والانتماء؛ بل ذهاب للكشف عن الجذور، وعلاقتها بالفروع والأغصان والأوراق والثمار؛ بالطبع لم أشهد ساعة ولادة موطني، إلا أنني قرأتُ وسمعتُ عن المخاض الصعب الذي مرّ به ومرّ عليه، والذي شهدته وعهدته وتأكدتُ منه خلال عقود خمسة؛ الصدر الرحب، والهيبة الفطريّة، والقيمة العليا التي أشاعت الأمن في السفر والحضر، ومحت من أفئدة الأمهات؛ قلق أيام الغُلمة، وكوابيس ليال الظلمة على فلذات أكبادهن.
لم يقرصنا الجوع حد التهديد بالموت، ولا أدركتنا الحروب على لقمة العيش، شأن أجداد كابدوا وعانوا الأمرّين؛ وربما نكون محسوبين على جيل نعمة إلا أنّ منّا شرائح لم تخلُ حياتهم من وشوم فاقة ولم تخلُ سيرتهم من رقوم إباقة؛ وليس عيباً أن أقول لم يكن لنا من الملابس أكثر من ثوب واحد طيلة العام؛ وغالباً دون غيارات داخلية (أكرمكم الله) ولا فرق بين صيف وشتاء، وربيع وخريف؛ والقوت اليومي ما توفره الإمكانات في بيوت أهلنا من كسرة خبزة ناشفة أو تمرات لمن حسُن وضعه المعيشي، وغالب البيوت تحيا على وجبة أو وجبتين وبحساب وتقدير دقيقين، وكم أيام تنسى فيه أمهاتنا إرسال وجبة الغداء للوادي، ونحن نتولى حماية المزرعة من الطير؛ أو ونحن نرعى الغنم، بحكم تزاحم تبعات عليهن، وتراكم مسؤوليات لا أحد يزجي لهن على أدائها شكراً.
فتحت لنا دولتنا المدارس؛ وبدأتَ تعلّمنا كيف نقيم علاقتنا مع الله، ونؤصل قيم التعامل مع الناس؛ إلا أننا بحكم ظروف المرحلة، لم ننتبه مُبكّراً لفضل الوطن نحن الآتون من هامش الكفاف إلى عتبات الإسراف؛ فنحن ممن ردد في طابور الصباح (بلاد العُرب أوطاني) ولم يكن في مناهجنا الأناشيد الوطنية، وأول ما غنيناه في الرابعة الابتدائية (كلنا فيصل كلنا خالد)، وعندما جاء التلفزيون وأشرق طلال مداح بـ(وطني الحبيب) تنامت جيناتنا الأولى؛ واستوت على سوقها مشاعر أفئدة كادت أن تؤتي أُكْلها، شرَعْنا نتهجاك كما يتهجى الصغير ملامح أبيه العائد من غربة؛ وتنامت علاقتنا بك يا وطني، وإن لم تكن تفرح بإطراء علني تقوله ثغورنا، ولا تزعل بسبب عشم نخفيه في صدورنا.
جاءت الصحوة فألهبت مشاعرنا بالأممية؛ وتوسع ثوب الانتماء حدد التشقق، وإبداء العورة؛ وكانت قلوبنا معك وألسنتنا عليك، إذ إن العقائديين ناكروا معروف؛ وباعة مواقف، وتجار قضايا؛ جلبونا إلى أسواقهم لبيعنا لسماسرة الدِّين؛ ومستثمري العواطف؛ وبحمد الله سرعان ما عاد لنا رشدنا أو عدنا له؛ ولقيتنا ببشاشة وجهك الأبيض؛ وضممتنا إلى صدرك الأخضر، ولم تغضب حين هجرناك، ولا عتبت على أوبتنا إلى حماك؛ لأنك تؤمن بأن أشجار الثوابت عصيّة على الرياح الموسمية.
غالباً لا يدع الناجح فرصة للمتربص ينفذ منها للطعن في نجاحه؛ إذ هناك احتياطات وقدرات ذاتية؛ وهناك حماية ورعاية ربانية، والله لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، إلا أنه ما من عمل إلا وعلى ضفتيه أخطاء أو هفوات أو تجاوزات؛ وأي تجربة يكتنفها ما يكتنف المناخات، ويعتريها ما يعتري التضاريس، ليعلّمنا ربنا أن القصور والنقص من حيثيات النجاح، ولو لم تقع في حياتنا؛ لما توقفنا قليلاً على ساحل المراجعات، قبل مواصلة الإبحار؛ وخير المبحرين من يرصد أخطاء الذات ويشفّ عندما يتحدث عنها، كي لا تتحول إلى عقدة نقص، تتضخم مع الوقت؛ وتحول بين البصيرة وبين مخاطر الاتجاه، وذو البصيرة اليقظة يعلم أن الأوطان (رُقية) ولا أقول (تميمة أو تعويذة) للشعور بالأمان، وطوق نجاة من نكبات الزمان.
تلويحة؛ تحققنا فيك جزئياً، وتحققتَ فينا كُليّاً، وعلاقتنا بك لا تخضع للنسبيّة ولا ترتهن للنفعيّة، لأنك مصدر اعتداد واعتزاز، فأنت منذ أزل ترتقي من نجاح إلى نجاح، ولذا عرفنا سرّ التآمر عليك، الذي ما زادنا بك إلا تمسكاً، ولا منحنا فيك إلا ثقةً، ولا عزّز فينا إلا صادق محبتك، ولا أوجب علينا إلا شكر نعمة الله وما أولانا في بلد له خصوصية، تتمثل في الانسجام بين مكوناته، والاعتصام برايته التي لم تأمن ولا اكتملت شهادة التوحيد إلا أحضانها.