أعلنت الحكومة الفرنسية تعليق استخدام القنابل الصوتية في التعامل مع احتجاجات طلاب المدارس الثانوية، بعد إصابة مراهق يبلغ من العمر 15 عامًا وفقدانه إحدى يديه خلال اشتباك مع شرطة مكافحة الشغب، في حادثة أثارت اتهامات جديدة للشرطة باستخدام القوة المفرطة.

وجاء القرار في وقت تتواصل فيه موجة الاحتجاجات الطلابية التي دخلت أسبوعها الثالث، وسط إغلاق أكثر من 500 مدرسة في أنحاء فرنسا، واستعداد نقابات تمثل طلاب المدارس الثانوية والمعلمين وعمالًا آخرين لتنظيم مسيرات جديدة (الخميس).

وتأتي الاحتجاجات قبل نحو ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية القادمة، في وقت تكشف فيه التحركات الطلابية عن حالة من الغضب الشعبي بشأن أوضاع التعليم، ونقص المعلمين، وتدهور عدد من المباني المدرسية، إلى جانب الفوارق بين المدارس في المناطق الغنية والأحياء الأقل دخلًا.

تعليق القنابل الصوتية وفتح تحقيقات

وقال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، إنه أصدر تعليمات بتعليق استخدام القنابل الصوتية خلال الاحتجاجات التي يشارك فيها طلاب المدارس الثانوية، بعد حادث وقع في مدينة لانس شمالي البلاد، (الإثنين).

وأوضح الوزير أن هناك «احتمالًا قويًا» بأن تكون قنبلة صوتية أطلقتها الشرطة قد تسببت في فقدان مراهق يده، مؤكدًا تعليق استخدامها إلى حين اتضاح ملابسات الحادث.

وأشار نونيز إلى إحالة 18 واقعة مرتبطة بالاحتجاجات إلى جهاز التفتيش التابع للشرطة للتحقيق فيها.

وكانت منظمات حقوقية ونقابات عمالية وطلابية، إلى جانب سياسيين من المعارضة، قد اتهمت قوات الأمن باستخدام قوة غير متناسبة في مواجهة المحتجين.

ورغم أن غالبية عمليات إغلاق المدارس، (الأربعاء)، جرت بصورة سلمية، استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع ودفع المتظاهرين إلى الخلف خلال احتجاج أمام جامعة «ساينس بو» في وسط باريس، حيث أقام المحتجون حواجز من حاويات القمامة.

أكثر من 500 مدرسة مغلقة

ولم تظهر الاحتجاجات مؤشرات واضحة على التراجع، إذ أغلقت أكثر من 500 مدرسة في مختلف أنحاء فرنسا بعد يوم من خروج مظاهرات واسعة في أنحاء البلاد.

وفي مدرسة «ليسيه لامارتين» بوسط باريس، ردد المحتجون النشيد الوطني الفرنسي «لا مارسييز»، وهتفوا بشعارات مؤيدة لتحسين ظروف التعليم، فيما نظموا موجات بشرية أمام مدخل المدرسة خلال إغلاقها.

وتطالب الحركة الطلابية بإصلاح المباني المدرسية، وزيادة أعداد المعلمين، وتحسين جودة التعليم، وتقليص الفوارق بين المدارس في المناطق المختلفة.

الحكومة تعد بمقترحات جديدة

وفي كلمة وجهها إلى الفرنسيين، مساء (الأربعاء)، قال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو إن حكومته ستراجع مطالب الطلاب، وستقدم مقترحات في نهاية أكتوبر بشأن مجموعة من القضايا، من بينها تجديد المباني المدرسية وزيادة عدد المعلمين، لكنه لم يكشف تفاصيل محددة بشأن الإجراءات المرتقبة.

وقال لوكورنو إن الحكومات السابقة قدمت وعودًا كثيرة لم يتم تنفيذها لأنها لم تكن قابلة للاستمرار، مؤكدًا أن ما يريده هو «إجابات ملموسة وسريعة وممولة بالكامل».

إلا أن غياب إجراءات فورية أثار استياء قيادات طلابية، عقب اجتماع عقدته مع مسؤولي وزارة التعليم (الأربعاء)، ما زاد المخاوف من استمرار الاحتجاجات خلال الأيام القادمة.

تراجع نتائج الطلاب يفاقم الغضب

ويربط المحتجون بين ظروف الدراسة المتدهورة والتراجع الملحوظ في أداء الطلاب الفرنسيين في القراءة والرياضيات.

وبحسب بيانات برنامج التقييم الدولي للطلاب التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، سجل الطلاب الفرنسيون في سن 15 عامًا انخفاضًا قدره 43 نقطة في نتائج القراءة عام 2025 مقارنة بعام 2015، وهو أكبر تراجع بين دول المنظمة خلال الفترة نفسها.

كما سجلت نتائج الرياضيات تراجعًا كبيرًا أيضًا، ما عزز مطالب المحتجين بزيادة الإنفاق على التعليم وتحسين البنية التحتية للمدارس وتوفير العدد الكافي من المعلمين.

لكن الحكومة تواجه ضغوطًا مالية كبيرة في ظل ضعف النمو الاقتصادي والحاجة إلى خفض الدين العام، الأمر الذي يحد من قدرتها على توفير تمويل إضافي لمعالجة مطالب الطلاب.

24 مدرسة تضررت و30 ألف طالب خارج الفصول

وفي المقابل، أعلنت الحكومة أن الاحتجاجات تسببت في أضرار مادية بعدد من المدارس، وقال وزير التعليم إدوار جفراي أمام البرلمان إن 24 مدرسة ثانوية تعرضت لأضرار بسبب الحرائق أو أعمال التخريب، بدرجة ستجعلها غير قادرة على استقبال الطلاب لأسابيع.

وأضاف أن نحو 30 ألف طالب قد يضطرون إلى مواصلة التعليم دون حضور شخصي حتى إعادة فتح تلك المدارس، مقدرًا تكلفة إصلاح الأضرار بما يتراوح بين 20 و30 مليون يورو.

ودعت مارين لوبان، المرشحة الرئاسية اليمينية المتطرفة، إلى تحميل المسؤولين عن تخريب المدارس تكلفة إصلاحها بدلًا من تحميلها لدافعي الضرائب.

وتتبنى الحكومة موقفًا مشابهًا، فيما يناقش البرلمان مشروع قانون يهدف إلى إنشاء آلية لتحميل المتسببين في الأضرار تكاليف إصلاحها.

احتجاجات مماثلة في أوروبا

ولا تقتصر أزمة التعليم والاحتجاجات المرتبطة بها على فرنسا، إذ شهدت مناطق من بلجيكا احتجاجات مماثلة من جانب الطلاب، في وقت تواجه فيه حكومات أوروبية ضغوطًا متزايدة على الميزانيات بعد أزمات متتالية مرتبطة بتكاليف المعيشة والطاقة.

وفي مدينة لييج البلجيكية، ألقت السلطات القبض على ما لا يقل عن 107 أشخاص على خلفية احتجاجات طلابية شهدتها المدينة خلال الشهر الجاري، وفق وكالة الأنباء البلجيكية «بيلجا»، فيما انضم معلمون أيضًا إلى التحركات الاحتجاجية.

وفي البرتغال، بدأت أكبر نقابة للمعلمين «فينبروف» إضرابًا مفتوحًا منذ منتصف سبتمبر، احتجاجًا على ظروف العمل، مع رفض المعلمين أداء أي أعمال غير مدفوعة تتجاوز ساعات العمل الأسبوعية المحددة قانونًا بـ35 ساعة.

أما في إسبانيا، فتواصل نقابات المعلمين احتجاجاتها على ظروف العمل في المدارس الحكومية، فيما يعتزم معلمو مدريد تنظيم إضراب في 14 أكتوبر للمطالبة بخفض ساعات العمل، وتقليل أعداد الطلاب داخل الفصول، وزيادة الرواتب.

ومع استمرار الاحتجاجات في فرنسا، تواجه حكومة لوكورنو اختبارًا صعبًا يتمثل في الاستجابة لمطالب الطلاب والمعلمين، مع احتواء أعمال العنف والتخريب، وذلك في وقت تقترب فيه البلاد من استحقاق انتخابي جديد يجعل ملف التعليم وأوضاع الشباب أكثر حضورًا في المشهد السياسي.