لو كان لهذا العام عنوان صحافي واحد، لكان «عام انحسار الميليشيات». وربما كان هذا عنوانه الأبرز، بعد عقود طويلة عانت فيها منطقتنا من سطوة التنظيمات المسلحة، وتأثيرها المدمر على الأمن والسلم الإقليميين، وقدرتها على تعطيل الدول ومصادرة قراراتها، وتحويل القضايا السياسية إلى صراعات مفتوحة بلا أفق.
حين تحضر الميليشيات يغيب منطق الدولة، وحين يغيب منطق الدولة يضطرب النظام الإقليمي، وتصبح الفوضى بديلًا عن السياسة. فالميليشيا، مهما بلغت قوتها العسكرية، تظل فصيلًا محدودًا لا يمتلك أدوات بناء الدولة، ولا يستوعب بالضرورة مسؤولياتها ومؤسساتها والتزاماتها الدولية. ولذلك يصبح الصدام مع المجتمع الدولي نتيجة متوقعة حين تحاول هذه التنظيمات ممارسة أدوار تتجاوز طبيعتها وقدراتها.
لقد أدرك هنري كيسنجر، في رؤيته للنظام الدولي، أن الاستقرار يرتبط بوجود دول تعترف بشرعية النظام الذي تنتمي إليه، وتدير مصالحها من خلال توازنات واضحة وقواعد مشتركة. وفي كتابه «النظام العالمي» ناقش أهمية الشرعية وتوازن القوى في استدامة الاستقرار. ومن هذا المنظور، فإن الميليشيات التي تنازع الدولة سيادتها تمثل تحديًا جوهريًا لأي نظام إقليمي مستقر.
أما مارغريت ثاتشر، فقد عكست تجربتها السياسية إيمانًا بأهمية قوة الدولة ومؤسساتها وسيادة القانون، وضرورة امتلاك الحكومات القدرة على اتخاذ القرار وتنفيذه. وهي رؤية تؤكد أن السلطة السياسية لا تستقيم حين تتوزع أدوات القوة خارج المؤسسات الشرعية، أو تصبح القرارات الوطنية رهينة جماعات مسلحة.
وهنا تكمن الإشكالية الكبرى للميليشيات في الشرق الأوسط؛ فهي لا تعطل الأمن وحده، بل تشل العمل الدبلوماسي، وتعيق التسويات السياسية، وتمنع الدول من ممارسة أدوارها الطبيعية وفق القانون الدولي. وربما كانت هذه هي الوظيفة الأخطر للميليشيات: إبقاء الأزمات معلقة، وتحويل عدم الاستقرار إلى حالة دائمة، وإضعاف الدولة حتى تصبح عاجزة عن تقرير مستقبلها.
ومن هنا يمكن فهم أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية السعودية؛ وهو دعم الدولة الوطنية ومؤسساتها، واحترام سيادتها، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية على منطق السلاح والفصائل.
فلا يمكن في تاريخ العلاقات الدولية أن تكون الميليشيات بديلًا مستدامًا عن الدول، ولا تستطيع التنظيمات المسلحة أن تمنح الشعوب ما تمنحه الدولة من استقرار وتنمية وشرعية.
حتى الدول التي تراهن على الميليشيات بوصفها أدوات نفوذ ستكتشف أن هذه التحالفات مؤقتة، وأن الفصيل المسلح لا يستطيع تقديم مشروع مستدام للمستقبل، مهما طال بقاؤه أو اتسعت قوته.
إن مستقبل الشرق الأوسط لا تصنعه البنادق الخارجة عن سلطة الدولة، وإنما تصنعه المؤسسات والسياسة والتنمية والسلام.