تتجه تركيا إلى مرحلة جديدة في مسار التسوية مع حزب العمال الكردستاني، بعدما بدأت السلطات القضائية مراجعة نحو 80 ألف ملف، في خطوة قد تمهد للإفراج عن نحو 4500 موقوف ومحكوم في المرحلة الأولى.

وطلبت وزارة العدل التركية بصورة عاجلة من المحاكم والنيابات في الولايات الـ81 بيانات تفصيلية عن الأوضاع القانونية للموقوفين والمحكوم عليهم والفارين المرتبطين بقضايا حزب العمال الكردستاني، تمهيداً لإعادة فحص الملفات وفق أحكام «القانون الإطاري» الجديد.

وبحسب صحيفة «نيفيس» التركية، تشمل المراجعة نحو 80 ألف ملف قضائي، فيما قد يتجاوز عدد المتهمين والمشتبه بهم الواردة أسماؤهم فيها 100 ألف شخص، إلى جانب نحو 12 ألف ملف لأشخاص مطلوبين أو فارين من العدالة.

وتشير التقديرات الأولية إلى أن المرحلة الأولى من العملية قد تشمل إخلاء سبيل ما بين 4 آلاف و4500 شخص، لكن هذه الخطوة ليست إفراجاً تلقائياً أو عفواً عاماً، وإنما ترتبط بمدى انطباق الشروط القانونية على كل ملف.

وتشمل القضايا الخاضعة للمراجعة اتهامات بالانتماء إلى حزب العمال الكردستاني أو مساعدته، فضلاً عن حيازة مواد متفجرة والإضرار بالممتلكات والحرق العمد وتزوير وثائق رسمية. وفي المقابل، تستبعد الترتيبات الجرائم الأشد، وعلى رأسها القتل والشروع في القتل، من نطاق الإفراجات المتوقعة، مع طلب بيانات بشأن هذه الملفات لأغراض التحليل.

ومن المقرر أن تستكمل المحاكم والنيابات جمع البيانات وإعداد الملفات القانونية بنهاية أكتوبر، قبل الانتقال إلى مرحلة تحديد القضايا والأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا من الترتيبات الجديدة.

غير أن بدء الإفراجات يظل مرتبطاً بشرط أساسي يتمثل في التحقق من تخلي حزب العمال الكردستاني والجماعات المرتبطة به عن العمل المسلح وتسليم أسلحتها. ووفق المعطيات المنشورة، يتعين أن تؤكد الجهات الأمنية تحقق هذه الشروط، قبل أن يعتمد مجلس الأمن القومي التركي النتيجة التي تسمح بتفعيل الإجراءات القانونية.

ويأتي ذلك في إطار مسار «تركيا خالية من الإرهاب»، الذي أطلقته أنقرة بهدف إنهاء الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني وإدماج من تنطبق عليهم الشروط القانونية في الحياة المدنية والسياسية.

وكان البرلمان التركي قد أقر في أغسطس الماضي قانوناً يضع إطاراً قانونياً لعملية نزع السلاح وإعادة دمج بعض عناصر الحزب، مع استبعاد المتورطين في جرائم قتل من ترتيبات الحماية أو تعليق العقوبات. كما ينص المسار على التحقق الرسمي من تنفيذ الحزب التزاماته المتعلقة بإلقاء السلاح.

وتعود جذور الصراع بين أنقرة وحزب العمال الكردستاني إلى عام 1984، وأسفر على مدى أكثر من أربعة عقود عن مقتل عشرات الآلاف، قبل أن تدخل القضية مرحلة مختلفة عقب دعوة زعيم الحزب المسجون عبد الله أوجلان في فبراير 2025 إلى إنهاء الكفاح المسلح، أعقبها إعلان الحزب وقف القتال وحل تنظيمه.

ويحمل المسار الحالي أهمية خاصة لأن عملية التسوية لا تتوقف عند نزع السلاح، بل تمتد إلى معالجة آلاف الملفات القضائية التي تشكل أحد أكثر الملفات تعقيداً أمام أنقرة. وفي حال استكمال الشروط الأمنية والقانونية، فإن الإفراج عن آلاف الأشخاص قد يمثل إحدى أبرز النتائج العملية لمسار «تركيا خالية من الإرهاب».

وكان مجلس الأمن القومي التركي قد أكد في اجتماعه الأخير، برئاسة الرئيس رجب طيب أردوغان، مواصلة العمل لتحقيق أهداف «تركيا خالية من الإرهاب» و«منطقة خالية من الإرهاب»، في إشارة إلى استمرار المسار الأمني والسياسي بالتوازي.