شكّلت مدينة جدة التاريخية محطة بارزة لزوار المدينة من مختلف دول الخليج، وأتاحت لهم فرصة التعرف على إرثها التاريخي والثقافي، والاطلاع على موروثها العمراني الذي تتميز به، وما تضمه من مبانٍ تاريخية وممرات تراثية تعكس عمق المكانة الحضارية لجدة، بوصفها بوابة للحرمين الشريفين، وموقعًا مدرجًا على قائمة التراث العالمي لليونسكو.


وظلت جدة، التي توصف بـ«عروس البحر الأحمر»، حاضنةً لأهلها وزوارها والمقيمين فيها عبر تاريخها الممتد، منذ عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان، وقبل إعلانها ميناءً بحريًا لمكة المكرمة عام 647 ميلادية.


جذور في أعماق التاريخ


وتضرب جدة التاريخية بجذورها في أعماق التاريخ، إذ تحمل بيوتها وأسواقها وطرقها وأزقتها شواهد متعددة على المراحل التي مرت بها المدينة، فيما شهدت المنطقة خلال الأيام الماضية إقبالًا كبيرًا من جماهير دول الخليج المتواجدة في المحافظة لمتابعة منافسات «خليجي 27». وأسهمت البطولة في تعزيز الحركة السياحية والثقافية، وكانت جدة التاريخية في مقدمة الوجهات التي استقطبت الزوار، إذ اكتظت أسواقها القديمة ومتاحفها المتنوعة بالجماهير.


وازدانت الممرات التاريخية بحركة الزوار الذين استمتعوا بالفعاليات الثقافية والفنية التي تحتضنها جدة، لتبرز أمامهم المقومات السياحية والثقافية المتنوعة التي تزخر بها المنطقة، والتي تجمع بين أصالة المكان وثراء التراث والأنشطة الترفيهية، بما يثري تجربة الزائر ويمنحه فرصة للتعرف على تاريخ المدينة وهويتها الثقافية.


أبرز المحطات الجاذبة للزوار


البيوت الأثرية كانت من أبرز المحطات التي جذبت الزوار، بما تتميز به من رواشين خشبية وتفاصيل معمارية حجازية تعكس نمط البناء الذي عرفت به جدة عبر تاريخها. وأتاحت هذه البيوت للزائرين التعرف على جوانب من الحياة الاجتماعية والتجارية التي عاشتها المدينة، وما شهدته من حركة اقتصادية وثقافية بحكم موقعها ومكانتها.


وتمثل البيوت الأثرية في جدة التاريخية نموذجًا مميزًا للفن المعماري والهندسي، إذ يعود تاريخ بعضها إلى 500 عام أو أكثر. ومن أشهرها دار آل نصيف ودار آل جمجوم في حارة اليمن، ودار آل باعشن وآل قابل ومسجد الشافعي في حارة المظلوم، ودار آل باناجة وآل الزاهد في حارة الشام، فيما بقي عدد من هذه المباني قائمًا بحالة جيدة، مستفيدًا من متانة البناء والأساليب المعمارية التي شُيدت بها.


وحضرت المساجد التاريخية ضمن اهتمامات الزوار، فتوافدوا إلى جامع الشافعي «الجامع العتيق»، ومسجد عثمان بن عفان «الأبنوس»، ومسجد المعمار، ومسجد عكاش، ومسجد الباشا، وهي مساجد تعكس جانبًا من العمارة التقليدية في جدة التاريخية.


وشُيدت هذه المباني باستخدام مواد البناء المحلية، ومنها الحجر المنقبي والحجر الجيري المرجاني المستخرج من البحر الأحمر والممزوج بالطين البحري، إلى جانب استخدام الأخشاب المزخرفة في الأسقف والنوافذ، ومنها خشب الجوز والأبنوس، فيما تميزت مآذنها وقبابها بطابع معماري عتيق يعكس هوية المنطقة التاريخية.


معارض ومقتنيات وبرامج


وشكل بيت نصيف، الذي يتوسط جدة التاريخية، علامة بارزة في جولات الزوار، إذ احتضن عددًا من الجماهير التي حرصت على اكتشاف تفاصيل المكان وما يمثله من قيمة تاريخية ومعمارية. كما شهدت المراكز والوجهات الثقافية حضورًا من جماهير البطولة، وأتاحت لهم التعرف على المعارض والمقتنيات والبرامج المعرفية التي تستعرض تاريخ جدة ومكانتها بوصفها بوابة للحرمين الشريفين وملتقى للثقافات القادمة إليها من مناطق مختلفة.


وامتدت جولات جماهير «خليجي 27» إلى المقاهي الثقافية التي تجمع بين الطابع المعاصر والهوية التراثية، لتوفر مساحة يلتقي فيها المشجعون بعيدًا عن أجواء المباريات، ويتبادلون الأحاديث والانطباعات حول منافسات البطولة وتجربتهم في جدة، في مشهد عكس تنوع الخيارات التي توفرها المدينة لزوارها.


فعاليات ثقافية وأنشطة ترفيهية


وأسهمت الحركة السياحية والثقافية التي صاحبت بطولة «خليجي 27» في إبراز ما تتمتع به جدة التاريخية من مقومات تجعلها وجهة جاذبة للزوار، من خلال الجمع بين التاريخ والتراث والفعاليات الثقافية والأنشطة الترفيهية.


وتأتي هذه الحفاوة بالزوار امتدادًا للجهود المتواصلة لترسيخ حضور جدة التاريخية وجهةً ثقافية وسياحية عالمية، عبر المحافظة على هويتها التاريخية وموروثها العمراني، مع مواكبة متطلبات التنمية الحديثة، بما يدعم استدامة المنطقة ويعزز حضورها في المشهد الثقافي والسياحي الوطني.