كنت في حديث مع صديق لي يعرف تماماً شغفي واهتمامي بكل ما يخص موضوع الذكاء الاصطناعي وآثاره المتوقعة على حياتنا. فباغتني بسؤال وهو هل من الممكن أن نتقبل تفسيراً للقرآن الكريم ومراجعة للأحاديث النبوية الشريفة على صاحبها الصلاة والسلام ونقد الروايات التاريخية باستخدام الذكاء الاصطناعي؟ وبعد بحث وتفكير تبيّن لي الآتي...
نعم ممكن، لكن الفرق كبير بين أن «يستخدم الذكاء الاصطناعي كأداة» وبين أن «يسلم له التفسير».
الذكاء الاصطناعي اليوم يستطيع أن يعمل كمساعد باحث، لا كمفتٍ، لا كشيخ.
فما الذي يستطيع فعله؟
يستطيع أن يجمع لك تفسير آية واحدة عند الطبري، القرطبي، ابن كثير، السعدي، والرازي في دقيقة، ويقارن بينهم ويستطيع أن يبحث في معاني الكلمات في لسان العرب، ويربط الآية بآيات مشابهة في موضوعه ويستطيع أيضاً أن يترجم ويفسر لغة، لكنه لا يمتلك الإحساس بالمقاصد ولا يعرف متى الآية قطعية، ومتى هي ظنية، ومتى هي عامة ومخصصة.. والمشكلة أن كثيراً من أدوات الذكاء الاصطناعي تخلط بين تفسير المعتزلة والأشاعرة والسلفية دون أن تخبرك بالمذهب، فتخرج لك بفتوى مشوشة وغير مفيدة.
أما بخصوص مراجعة الحديث، فيمكنه أن يتتبع السند بسرعة ومعرفة هل هذا الحديث في البخاري؟ هل رواه مسلم؟ ما درجة رجاله؟
ويمكنه أن يقارن بين رواية ورواية أخرى لنفس الحديث، ويكشف اختلاف الألفاظ. لكنه لا يستطيع أن يحكم على الراوي كما يحكم علماء الجرح والتعديل، لأن الحكم على «ثقة أو صدوق أو ضعيف» مبني على سيرة الرجل، أخباره، ورواياته كلها، وهذا يحتاج إلى حدس عالم، لا إلى إحصاء آلة. لعل أخطر ما في الذكاء الاصطناعي في الحديث أنه إذا لم يجد حديثاً في قاعدة بياناته، يقول «لا يوجد» وهو موجود، أو يخترع سنداً كاملاً يبدو صحيحاً وهو مزيّف، وهذه ظاهرة اسمها الهلوسة، وهي خطيرة جداً في الدين.
أما بخصوص نقد الروايات التاريخية، هنا الذكاء الاصطناعي دوره أقوى لأنه يستطيع أن يقارن رواية الطبري وابن الأثير وابن خلدون لحدث واحد، ويظهر لك التناقض في التواريخ والأعداد. ويستطيع أن يبحث في الأحداث المعاصرة مثل هل كانت هناك زلازل، أو حروب في تلك السنة تؤكد الرواية؟ وكذلك أيضاً يستطيع أن يفحص النص لغوياً ويوضح هل الألفاظ المستخدمة كانت موجودة في ذلك العصر أم لا؟
وأخيراً هناك القواعد الشرعية التي لا تتغيّر، علماء اليوم أفتوا بأن استخدام الذكاء الاصطناعي في التفسير والحديث مباح كأداة بحث، لكن: لا يؤخذ منه حكم فقهي مباشر ولا يصحح ولا يضعف حديثاً بذاته ولا تُبنى عقيدة على استنتاجه،
ويجب أن يعرض كل ما يقوله على عالم متخصص، لأن الذكاء الاصطناعي لا يملك «الإجازة» العلمية ولا الأهلية، وهو لا يتحمّل المسؤولية أمام الله تعالى. هذا الرأي هو بخصوص النسخة الحالية من الذكاء الاصطناعي، ولكن يبقى السؤال مفتوحاً هل نحن جاهزون لنسخ قادمة هي أكثر كفاءة ودقة واعتمادية؟