المرأة كانت ولا زالت محور ارتكاز لكل بيت يرجى له العلو والاكتمال، ولكل أمة يرجى لها المجد والازدهار، فالمرأة ليست كما يدعي البعض أنها نصف المجتمع، ويظن الواصف لها بهذا أنه يعطي لها مكانتها وكرامتها؛ لأن المرأة في حقيقة الأمر هي المجتمع كله مع الرجل بلا تقسيم أو تجزئة، فالمرأة مدرسة إن أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق.
وقد كانت في كل العصور محور ارتكاز كل حدث عظيم، وهي الملهمة في خطب جسيم، وهي التي ينطلق من ركابها كل فارس غازٍ، وكل صنديد جسور ومن بوابتها خرجت الرايات يحملها الفرسان ومن مدرستها خرج المربون والمصلحون، وهي أقدر على فهم إشارات الحياة ودلائل الاشياء، ولها فراسة لا تخطئ وبصيرة نافذة تفوق قدرة الرجال وعقولهم، وهي تفهم اللغة الضمنية أمهر في ذلك من الرجال مرات عديدة! ومن ينسى أمهات الأئمة العظماء، وأمهات المخترعين الكبار، بل وزوجات العلماء البارزين، فلم تأت المقولة الشهيرة «وراء كل رجل عظيم امرأة» من فراغ، فوراء كل بيت ناجح امرأة، ووراء كل مجتمع ناهض امرأة.
والمرأة في المجتمع العربي منذ جاهليته -رغم بعض هناته- حظيت بعناية كبيرة وتكريم واسع، ومن ينسى الخنساء تماضر بنت عمرو بن الشريد التي وقفت تنشد الشعر في سوق عكاظ وحكم لها الأعشى، أنها أشعر من في السوق، وعندما جاء الإسلام أعلى من شأن المرأة وكرّمها وأعطاها كامل حقوقهاوجعلها درة مصونة، وجوهرة مكنونة، وجعل منها ملكة متوجة على عرش زوجها، حتى فيما التبس على بعضهم من كونها في الشهادة على النصف من الرجل، كان ذلك غاية التكريم لو فهم المتكلمون، فجعل شهادتها على النصف من الرجل للإشارة من طرف خفي إلى صيانتها عن الذهاب أمام الهيئات القضائية، فالشهادة لا تكون إلا في المنازعات، وقد أراد الإسلام الضن بها عن الزج في خلافات أو عداوات، حفظًا لعاطفتها الجياشة وصيانة لكرامتها عن أن تمتهن في ساحات القضاء، حتى في الميراث ليس صحيحًا أنها على النصف من الرجل، فقد أشارت الدراسات إلىوجود أكثر من ثلاثين حالة ترث فيها المرأة مثل الرجل أو أكثر منه أو ترث هي ولا يرث نظيرها من الرجال. وفي المقابل، حُصرت الحالات التي ترث فيها المرأة نصف الرجل في أربع حالات محددة تخضع لمعايير القرابة والجيل والعبء المالي، فالميراث في الإسلام لا يخضع لذكورة أو أنوثة بقدر ما يخضع لعوامل أخرى تحددها كتب الفقه.
كما أنها رمز للحياة في كل معانيها، فالحياة امرأة، والدنيا امرأة، وقد رمز بها للدنيا للنبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء فقد نادته امرأة ذات حسن وجمال فلم يلتفت لها فقال له جبريل هذه الدنيا قد زينت لك..
وما يقال عن القدح فيها في الشعر في العربي، أو ابتذالها، فقد اتخذها الشعراء والفنانون رمزًا لكثير من معانيهم وفلسفاتهم، فالحرية امرأة، والجمال امرأة والكبرياء امرأة، والوطن امرأة والغايات العظمى امرأة... وقد تغدو امرأة يا ولدي يهواها القلب هي الدنيا.
وما رآه البعض من أنها رمز شرير للغواية والكيد والتحدي، وهي الضلال وهي الخديعة، فهي من عيون أولئك المحدثين المتدثرين بقيم بعيدة عن الأخلاق العربية، التي تنظر للمرأة نظرة إجلال واحترام.
ومن لم يفهم رمزية المرأة لدى الفنان والشاعر، ربما تاه فكره وضل فهمه. فالمرأة وخطابها في كل شعر الشعراء هي رمز أكثر منه امرأة على وجه الحقيقة، بل حينما ينجر الشاعر للوصف الحسي للمرأة، فهو لا يقصد تلك المعاني الحسية؛ بقدر ما ترمز له من معان فلسفية. فالوصف الحسي لأنوثة المرأة ومفاتنها هو عالم من الرموز من وقف عند مفهومها الحسي، ربما لم يحسن الغوص في بحور الشعر العميقة، الذي مثلت المرأة فيه عالمًا كبيرًا وجعل من خريطة جسدها وتضاريسه معاني كبرى، وهذا شأن شعري لم نرد الغوص فيه، وإن كنا قد نتعرض له في مقال قادم، لذلك كم قلت مرارًا من الإجحاف بشعر شاعر، أن يحكم عليه أو يحاكمه من لا يكون قادرًا على فك شفرات رموزه وطلاسمها، ومثل ذلك في كل عمل أدبي، وستبقى المرأة في كل عصر، ورمزيتها ميزانًا ومعيارًا نعرف من خلاله مدى عمق الفكرة ورقي النظرة وعلو التربية، فوجود المرأة حاضرة في الشعر والإعلام إن دل فيدل على أهميتها وليس امتهانها.

وقد تبوأت المرأة في المملكة العربية السعودية مكانة مرموقة، حيث فتحت لها آلاف المدارس والجامعات، وأعطيت لها الفرصة كاملة لتدرس وتبتكر وتتفوق، ولا سيما في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان رعاه الله، من خلال حزمة كبيرة من القرارات التي مكّنتها في كل موقع، وأعطتها من القيادة في كل مؤسسة، وقد كانت المرأة والفتاة السعودية على قدر المسؤولية، فأكدت نجاحها وجدارتها فكان هذا العطاء الواسع، وهذا التفوق الكبير في العديد من القطاعات الكبرى التي أثرتها بثقافتها، وجددت بناءها بتفانيها وإخلاصها، فتقدمت في كل مجال، وقادت العديد من المواقع .
وقد جاء هذا المقال بمثابة شهادة أستاذ جامعي رأى بعينيه، ولمس عن كثب مدى الجدية والتنافسية التي تتمتع بها المرأة والفتاة السعودية، وعقليتها المبتكرة وقدرتها الواضحة متى أخذت الفرصة كاملة؛ حتى نزيد من ثقتنا في كفاءتها، ونقدر مسيرتها ونعتز بها في كل محفل، لتأخذ الثقة الكاملة فيزيد عطاؤها لبيتها ومجتمعها وأمتها.