كان الإنسان قديماً إذا نطق بكلمة سمعها من حوله، وربما انتهى أثرها بانفضاض المجلس. أما اليوم فقد يقولها وهو وحيد خلف شاشة، فتصل في دقائق إلى مئات الآلاف، وتُحفظ وتُصوّر ويُعاد نشرها، ثم يكتشف متأخراً أن ضغطة «حذف» لا تعيد الكلمة إلى فمه، وأن إغلاق الحساب لا يعيد الزمن إلى ما قبل النشر.
هذه إحدى حقائق عصر المنصات: قد تستطيع حذف المنشور، لكنك لا تستطيع حذف حقيقة أنه نُشر.
وقد أعادت إلى ذهني هذه المسألة واقعة متداولة أخيراً، بعد إساءة وُجهت عبر منصة «إكس» إلى إعلامي شهير، ثم حُذف المنشور وأُغلق الحساب، وطُلب من الجهات المعنية الاطلاع واتخاذ اللازم. ولا يعنيني هنا شخص من وُجهت إليه الإساءة ولا صاحب الحساب، ولا أريد أن أسبق الجهات المختصة في توصيف الواقعة أو تقرير مسؤولية أحد؛ ما يعنيني هو السؤال الذي تكرر بعدها: إذا أُغلق الحساب، فكيف يُحاسب صاحبه؟
السؤال يكشف وهماً رقمياً يستحق التصحيح. فاختفاء الحساب من أمام الجمهور لا يعني بالضرورة اختفاء كل أثر متعلق به. وقد تكون هناك بيانات وسجلات ومعلومات فنية يمكن للجهات المختصة، وفق الإجراءات النظامية والوسائل الفنية المتاحة، الاستعانة بها للتحقق من الوقائع ونسبتها إلى أصحابها. لذلك فالسؤال القانوني ليس: هل ما زال الحساب مفتوحاً؟ بل: هل وقع الفعل، وهل ثبت، وإلى من يمكن نسبته؟
فالتحوّل الحقيقي الذي صنعته المنصات أن الكلمة لم تعد لحظة عابرة، بل أصبحت فعلاً رقمياً قد يترك أثراً يتجاوز الزمن الذي استغرقته كتابته. قد يكتب الإنسان في ثوانٍ ما يستمر أثره سنوات، ويظن أن الحذف أنهى الواقعة، بينما تكون الصورة أو النسخة أو إعادة النشر قد نقلت الكلمة إلى فضاء لم يعد يملك السيطرة عليه. ولهذا تبدأ المسؤولية الرقمية قبل النشر لا بعده؛ فكلما اتسعت قدرة الفرد على الوصول والتأثير، اتسعت معها مسؤوليته.
وفي المملكة، الأمر ليس فراغاً تشريعياً. فنظام مكافحة جرائم المعلوماتية نص في مادته الثالثة على تجريم التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم عبر وسائل تقنيات المعلومات المختلفة، بعقوبة تصل إلى السجن سنة، وغرامة تصل إلى خمسمائة ألف ريال، أو بإحدى هاتين العقوبتين. وقد أكدت النيابة العامة هذا المعنى في رسائلها التوعوية، عندما نبهت إلى أن التشهير بالآخرين أو إلحاق الضرر بهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي من السلوكيات التي تستوجب المساءلة الجزائية. والمغزى واضح: ما يراه البعض «تغريدة» عابرة قد يراه النظام فعلاً يستوجب المساءلة.
وهذا الحضور النظامي يأتي ضمن نهج أوسع للدولة السعودية في صون الإنسان وحقوقه وكرامته وحماية سلام المجتمع. فالأمن لا يقتصر على أن يأمن الإنسان على جسده وماله؛ من تمامه أن يأمن على كرامته وسمعته من أن تصبحا مباحتين لكل من يملك هاتفاً وحساباً.
ويبرز هنا الدور المهم للنيابة العامة، بوصفها جزءاً من السلطة القضائية تتمتع بالاستقلال التام، وتضطلع وفق اختصاصاتها بالتحقيق في الجرائم والتصرف في التحقيق وإقامة الدعوى أمام القضاء. فلا تُترك الحقوق رهينة لضجيج المنصات، ولا يتحول غضب الجمهور إلى حكم؛ بل تنتقل الواقعة، متى استوجبت ذلك، إلى مؤسسات الدولة حيث التحقيق والإثبات والإجراءات والضمانات. وهذه من قوة المنظومة: تحمي من وقعت عليه الإساءة، وتحمي كذلك من وُجه إليه الاتهام من أن يُدان قبل ثبوت مسؤوليته.
لكن الأهم من رقم العقوبة هو فلسفة النص. فالإنترنت ليس أرضاً خارج الدولة، والحساب الوهمي ليس قناعاً يبيح كرامة الناس، وحرية التعبير ليست رخصة للتشهير. النقد والاختلاف حقان، بل إن النقد الجاد ضرورة في أي مجتمع حي؛ لكن هناك مسافة واضحة بين نقد فكرة أو أداء أو موقف، وبين الاعتداء على الشخص وسمعته وكرامته.
والاسم المستعار لا يجعل الفعل مجهولاً بالضرورة، كما أن تغيير اسم الحساب أو صورته أو إغلاقه لا يجعل الواقعة كأنها لم تكن. وفي المقابل، لا تعني لقطة شاشة وحدها ثبوت نسبة الحساب إلى شخص بعينه؛ فالإثبات الرقمي له إجراءاته، والاشتباه لا يساوي الإدانة. قوة النظام ليست في العقوبة وحدها، بل في ضماناته أيضاً؛ فلا يقرر جمهور منصة العقوبة، ولا تصبح الاتهامات حقائق بكثرة إعادة نشرها.
ولذلك فإن أفضل ردع ليس أن يخشى الإنسان زر «نشر»، بل أن يدرك ما يعنيه. يستطيع أن ينتقد بقوة ويختلف بحدة ويفند موقفاً من دون قذف أو تشهير أو مساس بكرامة أحد؛ فاللغة القوية لا تحتاج إلى الإساءة حتى تكون مؤثرة.
وربما نحتاج جميعاً، في زمن أصبحت فيه أصابعنا أسرع من مراجعتنا لكلماتنا، إلى قاعدة بسيطة: لا تكتب ما تراهن على قدرتك على حذفه؛ اكتب ما تستطيع تحمّل مسؤوليته إذا بقي.
فالكلمة الرقمية قد تصبح دليلاً، وحقاً للغير، ومسؤولية على صاحبها. وقد يُغلق الحساب، ويختفي الاسم، ويُحذف المنشور، لكن ذلك لا يعيد الواقعة إلى ما قبل حدوثها. وأجمل حماية للإنسان ليست أن يعرف كيف يمحو أثر كلمته بعد أن يكتبها، بل أن يعرف وزنها قبل أن يكتبها.
فاحذف الحساب إن شئت... لكن تذكّر أن إغلاق الحساب لا يُغلق المسؤولية.