تقدّم النزاعات في العالم العربي بمبررات طائفية وكأنها قدرٌ لا يمكن الفكاك منه، ظهور الحوثيين مثلاً يذكّرنا بحقيقة أكثر إزعاجاً وهي أن الطائفية فتنة دورية تتغيّر تمثلاتها لكنها لا تموت، قد تنام لسنوات تخفت حين تتراجع أسبابها ثم تعود حين تجد بيئة سياسية أو اجتماعية تغذيها، والأمر ليس صعباً، يكفي فقط عدد من الأصوات المرتفعة، ومنصات تعيد إنتاج الغضب، وخطاب يختصر الإنسان في مذهبه، حتى يتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى جدار نفسي يفصل الناس عن بعضهم، ويجعلهم يرون بعضهم من خلال الهوية لا من خلال الإنسانية والقومية والمصلحة المشتركة.
نقف في كل مرة أمام المشهد ذاته: كيف يمكن أن تتحوّل الهوية المذهبية من اختلاف اجتماعي طبيعي إلى أداة للصراع والسلطة؟ بل الأدق: كيف يمكن أن تُستخدم الهوية المذهبية عمداً كأداة لصناعة الانقسام، ومن ثم توظيف الانقسام في خدمة هدف الصراع؟!
تجربة الحوثيين تقدّم نموذجاً يستحق التأمل في هذه المسألة، ليس لأن كل اختلاف مذهبي يقود إلى العنف، ولا لأن مذهباً بعينه مسؤول عن سلوك جماعة سياسية وعسكرية، وإنما لأن التجربة تبيّن كيف يمكن للهوية والعقيدة أن تدخل في مشروع الصراع، فتتحوّل من انتماء ديني إلى وسيلة تعبئة سياسية وعسكرية، وهنا تصبح الطائفية بجميع خلفياتها أخطر من مجرد خلاف مذهبي، لأنها تمنح الصراع لغةً جديدة: «نحن وهم»، ومع الوقت لا يعود الخصم خصماً سياسياً يمكن التفاوض معه، بل يتحوّل إلى تهديد لهوية الجماعة ووجودها، ولعل هذا ما يجعل الطائفية فتنةً شديدة الخطورة، فهي لا تحتاج إلى أن تكون أصل الصراع حتى تصبح وقوده، فقط يكفي أن تدخل إليه حتى تعيد تعريف الخصوم وتوسع دائرة العداء وتجعل التسويات أكثر صعوبة.
جانب آخر يطرح من أجله السؤال؛ لماذا لا ينجو العالم العربي من النزاعات؟! ذلك لأنه في مراحل متعددة من التاريخ السياسي العربي والإسلامي، لم تكن النزاعات تكتفي بأن تكون على السلطة، كانت تبحث عن شرعية عقائدية تمنح الصراع معنى يتجاوز السياسة، وهنا يصبح الخلاف على الحكم خلافاً على «الحق»، والخلاف على الشرعية خلافاً على «العقيدة»، ومن ثم يصبح الخصم ليس مجرد منافس سياسي، بل شخصاً يمكن نزع الشرعية الدينية والأخلاقية عنه.
الخطر الحقيقي ليس في اختلاف المذاهب؛ فالاختلاف أقدم من كل هذه الصراعات، لكن الخطر حين يأتي من يحوّل الاختلاف إلى سلاح، والانتماء إلى جبهة، والمذهب إلى حدود، ثم يطلب من الناس أن يخوضوا حرباً لمجرد أنهم وُلدوا في الجهة الأخرى من تلك الحدود! بل إن بعض الصراعات السياسية تحوّلت إلى قضايا عقدية، فأصبح التراجع فيها يبدو كأنه تراجع عن الدين أو الحق أو الجماعة.
السؤال الأهم؛ ليس لماذا تتكرر النزاعات؟ بل: لماذا لم تنجح المدنية بكل ما راكمته الإنسانية من قوانين ومؤسسات ومفاهيم للمواطنة في إخراجنا نهائياً من هذا المنطق؟! بينما الحوثيون بخلفيتهم هنا ليسوا مثالاً للطائفية فحسب، إنما هم أيضاً اختبار للسؤال عن المدنية! فالمجتمع المتحضر ليس مجتمعاً بلا اختلاف، بل مجتمع يعرف كيف يجعل الاختلاف قابلاً للحياة، أن تختلف معي دون أن تنزع عني حقي في الوجود، أن تنافسني دون أن تحوّلني إلى عدو، أن تخسر سياسياً دون أن تعتبر خسارتك هزيمة لعقيدتك، وأن يكون القانون هو الحكم حين تعجز الآراء عن الاتفاق.. ولكن من يعلم!