«حراس سوق السندات» مصطلح ظهر لنا في وول ستريت في ثمانينيات القرن الماضي. بشكل بسيط يتمثل في قدرة الجهات الإقراضية على محاسبة الحكومات، وذلك من خلال بيع سندات تلك الحكومات أو المطالبة بعائد أعلى لشرائها. متى يتم ذلك؟ إذا رأوا حكومة ما توسعت في الإنفاق والاقتراض، أو أن سياساتها قد تقود إلى تضخم أعلى. هنا تكمن قوة سوق السندات. الحكومة تستطيع أن تقرر حجم إنفاقها وضرائبها، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تقرر السعر الذي ستطلبه «الجهات التمويلية» لتمويلها. ظل «حراس السندات» قوة حاضرة في الأسواق خلال الثمانينيات والتسعينيات. كان ارتفاع العوائد قادرًا على إرباك الخطط المالية للحكومات ودفعها إلى إعادة النظر في مسار الإنفاق والعجز، لكن حدث تغيّر بعد الأزمة المالية العالمية في 2008.
دخل الاقتصاد العالمي عصر المال الرخيص إبان الأزمة المالية 2007-2008. على ضوء ذلك، خفّضت البنوك المركزية أسعار الفائدة إلى مستويات غير مسبوقة، وأطلقت برامج التيسير الكمي، وأصبحت مشتريًا ضخمًا للسندات الحكومية. ونتيجة لذلك، استطاعت حكومات الاقتصادات الكبرى الاقتراض بتكاليف منخفضة لأكثر من عقد، لدرجة أن بعض السندات الحكومية تداولت بعوائد سالبة.
ثم جاءت جائحة كورونا ليستمر على إثرها مسار الفائدة المنخفضة القريبة من الصفر. ارتفع الإنفاق الحكومي والعجز والدين، لكن أسواق السندات استوعبت جزءًا كبيرًا من ذلك في بيئة ظلت فيها أسعار الفائدة مغرية. من هذا المنطلق، بدا لبعض الوقت أن الحكومات أصبحت تمتلك مساحة مالية أوسع بكثير مما كان يُعتقد سابقًا.
غير أن التضخم أعاد كتابة المعادلة. مع موجة التضخم التي أعقبت الجائحة، اضطرت البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة، ثم بدأت بالتراجع عن جزء من السياسات الاستثنائية التي اتبعتها خلال السنوات السابقة. فجأة، وجد العالم نفسه أمام إرث ضخم من الديون التي تراكمت في زمن المال الرخيص، لكنها تحتاج اليوم إلى إعادة التمويل في زمن أصبح فيه المال أكثر تكلفة.
القضية ليست فقط كم اقترضت الحكومات، وإنما بأي سعر ستعيد تمويل ما اقترضته سابقًا هذه ربما هي المشكلة الأهم التي تواجه أسواق الدّيْن اليوم. بلغ حجم الدين السيادي القائم على دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نحو 65 تريليون دولار، وذلك وفق تقرير الدين العالمي الصادر عن المنظمة نفسها. يستحق جزء كبير من السندات القائمة خلال السنوات القليلة المقبلة. تشير المنظمة إلى أن 80% من اقتراض حكومات دولها خلال هذا العام يذهب إلى إعادة تمويل ديون قائمة، لا إلى تمويل إنفاق جديد. أي أن سندًا صدر قبل سنوات في بيئة فائدة شديدة الانخفاض قد يستحق اليوم، فتضطر الحكومة إلى استبداله بسند جديد بعائد أعلى. مع تكرار هذه العملية، تنتقل أسعار الفائدة المرتفعة تدريجيًا إلى الموازنة العامة من خلال ارتفاع فاتورة خدمة الدّيْن. هنا بدأ «حراس سوق السندات» بالعودة للمشهد من جديد.
التحدي أن الطلب على الاقتراض لن يكون قليلًا خلال السنوات المقبلة. الحكومات تحتاج إلى تمويل الدفاع والبنية التحتية والتحوّل في الطاقة وتكاليف الشيخوخة السكانية، بينما تحتاج الشركات إلى تمويل استثمارات ضخمة في التقنية ومراكز البيانات والطاقة. هنا تعود واحدة من أقدم قواعد الاقتصاد إلى الواجهة: لا يوجد تمويل بلا سعر. إذن ما يحدث أكبر من تحرك مؤقت في أسعار السندات.