ربما أخذت الأقدار والتقديرات الخاطئة الشعب الإيراني الشقيق إلى ما لا يريد، وإلى ما لا طاقة له به، فالمعروف عنه أنه شعبٌ إنساني يعشق الحياة بكل تفاصيلها، فكم حفظنا من أدبيات فارس المُعزِّزة في نفس قارئها قِيَم الخير والحُب والجمال. ونؤمن بأن شعب إيران مسالم بطبعه، ويتردّد كثيراً قبل أن يُقدم على خطوة تُحسبُ عليه أذيّةً لقريب أو جار أو شقيق أو صديق.
ولعل شعب فارس من الشعوب التي لم تكن تتمنّى ولا تطمح إلى أن يغيب عنها نظام الشاه بكل أبّهته وإسرافه على نفسه وارتداء تيجان الغطرسة والتعالي، بكل ما كبّده من متاعب اقتصادية واجتماعية؛ ليحلّ محله نظام ملالي أقحمه منذ قرابة نصف قرن في صراعات ونزاعات ربما غبّشت صورة الجار الإيراني المسالم في أذهان وأعين جيرانه، فغدا كأنه نموذج عِداء مُستحكم واستنفار دائم لشنّ الحروب.
وإذا كانت الشعوب تتحمّل حالة الرفاه التي تنعم بها قيادة، وإن على حساب سعادتها، إلا أنها لا تحتمل أن تتحوّل إلى أداة لزعزعة استقرار وأمن مجتمعات في سبيل فكرةٍ تجاوزها الزمن، وكأنما فُرض على الشعب الإيراني دفع ثمن صلافة قيادة استمرأت التمرّد على القوانين الدولية وعلى الحلول الدبلوماسية، ما يعجز الشعب عن سداد فواتيره الباهظة، ولا ذَنْب له إلا أنه علّق مصيره بزعامة ذات تفكير مليشياوي فاشل، ولا أدلّ على فشل مشروعها من اندحارها في سورية ولبنان والعراق، ثم اندحارها في اليمن قريباً؛ بسبب حماقة وأوهام القوّة التي حرمت شعب إيران الشقيق من أبسط حقوقه في الحياة المعيشية المستقرة، ومنها حق الأمن.
ومن واجبنا في الجهة المقابلة من الجغرافيا أن نعبّر عن عمق الأواصر التي لا يزال يحتفظ بها التاريخ، فالشعوب باقية وأثرها خالد، والحكومات المُتعسّفة المُتسلّطة بالباطل على شعبها عاقبتها الزوال.