منذ توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز، ارتبطت الدولة السعودية بشرف خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، وتحولت الضيافة في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة إلى منظومة دولة تسخّر الإنسان والمكان والمال والتقنية لخدمة ضيوف الرحمن.

وفي اليوم الوطني السعودي، تحمل عبارة «عزّنا بكرمنا» معنى يتجاوز مفهوم الضيافة؛ فكرم المملكة مع الحاج والمعتمر يظهر في الطريق الذي يسلكه، والماء الذي يشربه، والسرير الذي يعالَج عليه، والقطار الذي ينقله، والتقنية التي ترشده، والكوادر التي ترافق رحلته منذ وصوله حتى مغادرته.

وتكشف بيانات الهيئة العامة للإحصاء، أن المملكة استقبلت خلال 50 عامًا فقط، من 1390هـ إلى 1439هـ، 98,053,017 حاجًا، منهم 54.4 مليون حاج خلال آخر 25 عامًا، فيما تجاوز عدد الحجاج حاجز المليونين في 19 موسمًا.

وفي حج 1447هـ الموافق 2026، استقبلت المملكة 1,707,301 حاج وحاجة، بينهم 1,546,655 حاجًا من الخارج و160,646 من الداخل، ووصل من القادمين من الخارج 1,485,729 حاجًا جوًا، و54,429 برًا، و6,497 بحرًا.

ويمتد مشهد الضيافة إلى العمرة على مدار العام. وتظهر البيانات الحديثة حجم التدفق الكبير؛ إذ سجل عام 2023 نحو 26.87 مليون معتمر من الداخل والخارج، بينهم 13.56 مليون معتمر دولي.

وفي الربع الأول من عام 2025 وحده بلغ عدد المعتمرين 15,222,497 معتمرًا، منهم 6,523,630 من خارج المملكة و8,698,867 من الداخل، فيما رفع الربع الثاني إجمالي النصف الأول من العام إلى أكثر من 20.6 مليون معتمر.

بنية خدمية بدرجة الامتياز

تقف خلف هذه الملايين بنية خدمية هائلة؛ ففي حج 1447هـ، قدمت المنظومة الصحية أكثر من 1.2 مليون خدمة صحية حتى العاشر من ذي الحجة، وجهزت أكثر من 20 ألف سرير، بينها أكثر من 3,800 سرير في المشاعر المقدسة، إلى جانب خدمات الطوارئ وعمليات القلب والقسطرة والجراحات والرعاية الإسعافية.

وفي النقل، تبلغ الطاقة التشغيلية لقطار المشاعر المقدسة نحو 72 ألف راكب في الساعة عبر تسع محطات تربط منى وعرفات ومزدلفة، فيما استهدفت خطته التشغيلية في موسم 1447هـ نقل أكثر من مليوني راكب عبر نحو ألفي رحلة.

وامتدت منظومة الضيافة إلى الفضاء الرقمي؛ إذ وفر تطبيق «نسك» أكثر من 130 خدمة رقمية، وعمل مركز العناية بضيوف الرحمن على مدار الساعة بأكثر من 11 لغة، واستقبل خلال موسم الحج أكثر من 330 ألف مكالمة بنسبة رضا تجاوزت 93%.

هذه الأرقام ترسم معنى الكرم في المشاعر المقدسة بصورته السعودية؛ ملايين البشر من ثقافات ولغات وقارات مختلفة، تقابلهم منظومات للصحة والنقل والأمن والغذاء والإسكان والاتصالات والتقنية وإدارة الحشود، في جغرافيا محدودة وزمن بالغ الدقة.

وعلى امتداد مسيرة الدولة السعودية الحديثة، تطورت رحلة ضيف الرحمن من طرق السفر القديمة والخدمات المحدودة إلى المطارات والقطارات والمستشفيات والمنصات الرقمية والتقنيات الحديثة لإدارة الحشود، وبقيت الغاية واحدة: أن يؤدي الحاج والمعتمر نسكه في أمن وطمأنينة ويسر.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي الشيخ الدكتور عبدالرحمن السديس، أن المملكة عنيت منذ تأسيسها بأن يكون الحج والحرمان الشريفان للعبادة والتوحيد والسنة، وأداء المناسك على الوجه الصحيح.

وأشار إلى أن مهمة المملكة وشرفها وقدرها وفخرها تتمثل في العناية بكل ما يخدم الحرمين الشريفين، الأمر الذي يدفعها إلى بذل كل ما تستطيع في خدمة الحجاج والمعتمرين، والمحافظة على أمنهم وسلامتهم وطمأنينتهم.

وجدد السديس التأكيد على ترحيب المملكة بجميع الحجاج في كل عام، وتوفير الخدمات التي يحتاجون إليها وتعينهم على أداء فريضتهم بكل يسر وسهولة واطمئنان، بإشراف القيادة الرشيدة.

ودعا المسلمين إلى تقوى الله وإدراك مكانة الحرمين الشريفين ومكانة قاصديهما، والمحافظة على أمنهما وسلامة ضيوف الرحمن، والتعاون في تحقيق الأمن والإبلاغ عن كل من يحاول تعكير صفو فريضتي الحج والعمرة.

وفي اليوم الوطني، تختصر «عزّنا بكرمنا» مسيرة وطن جعل خدمة ضيوف الرحمن شرفًا، وإكرامهم قيمة، والعناية بأمنهم وصحتهم وراحتهم عزًا سعوديًا يتوارثه جيل عن جيل.