تنسج أرض المملكة تاريخها المديد من قيمة الكرم التي تحولت من شيم أفراد ونيران أوقدها الآباء لهداية المسافرين وعابري الطريق وسط الصحراء، إلى منهج دولة مباركة تأسست على العطاء وتسامت بالنهضة، وتتجلى اليوم تلك الأصالة في أروع صورها بأبناء الوطن، الذين سخروا التقنيات الرقمية والجهود المؤسسية لخدمة ضيوف الرحمن، ليظل الكرم صفة سعودية خالدة، يترجمها الجميع بصوت واحد: «عزّنا في كرمنا». وينتقلون من عادات كرم الأجداد إلى إتيكيت الضيافة العصرية بروح عبقة بآثار العفوية والبساطة؛ وهم يرددون الجود من الموجود.
كرم المدينة.. من أصالة الماضي
الكاتب والناقد الأدبي محمد العمري قال، إن إكرام ضيوف المدينة المنورة لم يكن أمرًا مستحدثًا في حياة أهلها، وإنما خُلُق قديم نما في بيوتها وأحيائها، وظل حاضرًا في ذاكرة أجيالها. وقد عرف أهل المدينة استقبال الحجاج والزوار في بيوتهم، يفتحون لهم الأبواب، ويهيئون لهم ما استطاعوا من سكن وطعام، ويعدّون خدمتهم وإكرامهم مما يتقربون به إلى الله، حتى غدت مواسم الحج والزيارة جزءًا من حياة المدينة الاجتماعية.
ومع اتساع أعداد ضيوف الرحمن وتغير أحوال الزمن، انتقل هذا الكرم من صورته الأهلية البسيطة إلى عمل مؤسسي واسع ترعاه الدولة، وتتضافر فيه جهات كثيرة تستقبل الحاج والمعتمر، وتيسر تنقله، وتوفر له السقيا والإطعام والرعاية والإرشاد منذ قدومه حتى مغادرته. تغيرت الوسائل كثيرًا، وأصبحت الخدمة اليوم منظومة ضخمة تليق بمكانة الحرمين الشريفين وبأعداد القادمين إليهما، غير أن المعنى القديم بقي حاضرًا.
ضيف المدينة له في نفوس أهلها مكان، وخدمته شرف توارثوه، ثم رأوه في هذا العهد وقد اتسعت دائرته وأصبح عملًا مؤسسيًا تتولاه دولة بأجهزتها وإمكاناتها.
شعلةٌ في عتمة الصحراء
الباحث والمؤرخ التاريخي نايف عوض الوسمي، يقول: كان الخوفُ والجوعُ الكابوسَ الأكبر الذي يطاردُ عابري الجزيرة العربية قبل التوحيد وسط تلك الفيافي القاحلة، كانت القرى الزراعية بمثابة طوق نجاة للمسافرين. ولشدة الهول وبعد المسافات، اعتاد الأهالي إيقاد النيران ليلاً فوق معالم بارزة كقرية «صفينة» وقلعة «قزازة» وجبل «العلم»؛ لتكون منارات تهدي الضالين وتسوقهم إلى بيوتٍ شُيّدت على الجود والكرم.
وتُروى في ذلك الزمان حكاياتٌ تُشبه الخيال؛ فقد قصد أحد الأعراب قرية صفينة ليتأكد من شائعات كرم الشيخ مسيف بن غبن الوسمي. وصل ليلاً ووجد الشيخ يتعبّد، فتنحنح ليُشعر بوجوده. فما كان من الشيخ إلا أن استضافه وأطعمه التمر والسمن والأقط دون أن يسأله عن اسمه أو هويته، وتكرر الموقف في الليلة ذاتها ثلاث مرات والشيخ يجود ببشاشة ويرجع لصلاته.
وفي موقف آخر على طريق الحاج العراقي، استضاف الشيخ مشخص المندهه ركباً وأشعل النار عند عشائهم، فرَدّ على انتقاد أحدهم لعادة إيقاد النار عند الضيف بأبياتٍ تنبض بكرامات العرب وأصالتهم:
حنا نشب النار عند ضيوفنا
حتى تبين لضيفنا مشهاته. واليوم، تلاشت تلك المخاوف وأُطفئت نيران الاستدلال؛ بعد أن وحّد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود هذه البلاد، ليعمّ الأمن والأمان في أرجائها. واستمرت المسيرة تحت ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين وولي العهد لتغدو وسائل النقل والتنقل أسهل وأسرع مما يتخيله عقل، رحلةٌ تاريخية تجعلنا نحتفل باليوم الوطني ونحن نستشعر عظمة النعمة، ونردد بفخر: طبعنا في عزنا، ووطننا في نماء وازدهار.
من بيوت الطيبين إلى النهضة الرقمية
يقول الباحث والمؤرخ التاريخي محمد مطر الشاماني، إن أهالي المدينتين المقدستين ترعرعوا على الكرم؛ فمنذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز وأبنائه، ترخّص الديار لضيوف الرحمن وفي مراتع الصبا حول المسجد النبوي، كان الشباب يتسابقون لإرشاد الحجاج الضائعين وإيصالهم لبيوتهم متكبدين المشاق، بينما يفرغ الأهالي عقاراتهم مؤقتاً لإسكان الحجيج، ويتنافسون في تقديم محاصيل تمورهم ورعايتهم.
ومع مر السنين، تحوّلت هذه المبادرات الشعبية إلى نهضة تنظيمية وتكنولوجية عملاقة تقودها الحكومة، عبر مشاريع بمليارات الريالات وتقنيات رقمية حديثة لإدارة أكبر تجمع بشري بكل يسر وأمان. إن هذا العطاء الممتد من الآباء إلى الأحفاد، وفي ظل التناغم الفريد بين التكاتف الشعبي والدعم الحكومي اللامحدود، يثبت أن صون الوطن وخدمة ضيوف الرحمن أولوية مطلقة، وأن قيمة الكرم النبيلة ستظل دائماً رمز فخرنا وعزنا.