ارتبطت الطائف بتاريخ الدولة السعودية، بوصفها مصيفاً للملوك ومقراً صيفياً لأعمال الحكومة، إذ كانت الوزارات والأجهزة الحكومية تنتقل إليها خلال أشهر الصيف، وتدار شؤون الدولة منها، وتحولت في تلك الفترة إلى وجهة تستقبل الملوك والرؤساء وكبار المسؤولين من أنحاء العالم.
منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، مروراً بعهود أبنائه، احتفظت الطائف بمكانتها السياسية والإدارية، وشهدت محطات تاريخية بارزة، من بينها مبايعة ملكين على أرضها.
جو معتدل وأمطار غزيرة
أوضح أستاذ التاريخ بجامعتي أم القرى والطائف سابقاً، عضو اللجنة العلمية بمركز تاريخ الطائف، الدكتور متعب القثامي لـ«عكاظ»، أن الطائف عُرفت مصيفاً للملوك منذ أقدم الأزمنة، كما كانت مصيفاً لأهالي الحجاز والجزيرة العربية، إذ اعتاد أهالي مكة المكرمة وجدة قضاء فصل الصيف فيها، لما تتميز به من اعتدال الأجواء، وغزارة المياه، وتنوّع الإنتاج الزراعي والفواكه،
خصوصاً خلال فصل الصيف.
وقال: «الطائف، منذ دخولها تحت راية الدولة في عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عام 1343هـ، حظيت باهتمام المؤسس طيب الله ثراه، وامتد هذا الاهتمام في عهود أبنائه من بعده».
وأضاف: «بعد ذلك التاريخ، بدأ الملك عبدالعزيز والحكومة قضاء موسم الصيف في الطائف، إذ كانت تنتقل إليها الدوائر والوزارات، لتصبح العاصمة الصيفية ومركزاً لأعمال الحكومة خلال الموسم، الذي كان يمتد إلى أربعة أشهر وربما أكثر».
وأشار إلى أن الملك عبدالعزيز استمر في قضاء الصيف بالطائف، وكان يُقام له مخيم في ضاحية الحوية، بالقرب من الموقع الذي أُنشئ فيه لاحقاً قصر الملك سعود، وهو الموقع الذي أصبح اليوم ضمن مقر جامعة الطائف.
وكشف القثامي، أن الطائف تعد المدينة الوحيدة بعد الرياض التي بويع فيها ملكان، إذ بويع فيها الملك سعود عقب انتقال المؤسس الملك عبدالعزيز إلى جوار ربه، كما بويع فيها الملك فهد عقب انتقال الملك خالد إلى جوار ربه.
وبيّن، أنه بعد عهد الملك عبدالعزيز، استمرت الحكومة في قضاء فصل الصيف بالطائف في عهد الملك سعود، ثم الملك فيصل، فالملك خالد، واستمر ذلك خلال السنتين الأوليين من عهد الملك فهد.
ولفت إلى أن بعض أجهزة الدولة لا تزال مستمرة على البروتوكول الأول، وتفد إلى الطائف صيفاً، ومنها المحاكم والإفتاء، كما تشهد المحافظة خلال الصيف عدداً من المواسم والفعاليات، منها سباقات الفروسية والهجن، امتداداً لما كان حاضراً إبان قضاء الحكومة موسم الصيف فيها.
وأضاف القثامي: «كانت الطائف خلال وجود الحكومة فيها تشهد ازدحاماً وحراكاً كبيرين، ويقصدها رؤساء وملوك وزعماء ومسؤولون من مختلف دول العالم».
قصور تاريخية
المؤرخ عيسى القصير، أشار إلى أن ملوك السعودية كانوا يقيمون في الطائف خلال فصل الصيف، الذي كان يمتد إلى نحو أربعة أشهر، مشيراً إلى أن الملك فهد بن عبدالعزيز كان يقيم خلال الصيف في قصر يُعرف بـ«قصر الوالدة» بحي الخالدية، ثم انتقل إلى قصره في منطقة الشفا، واستمر ذلك حتى نهاية عام 1405هـ.
وأضاف: «تزخر الطائف بالعديد من القصور التاريخية التي تؤكد مكانة المحافظة بوصفها إحدى أقدم المدن في المملكة والمنطقة، ومن أبرزها قصر شبرا، وقصر جبرة، وقصر الكاتب وغيرها».
طراز معماري فريد
كشفت هيئة التراث، أن قصر شبرا يقع خارج سور الطائف القديم في حي شبرا، وكانت المنطقة غنية بالبساتين ووفرة المياه، وقد أمر ببناء القصر الشريف علي بن عبدالله بن عون عام 1323هـ، وبُذل في سبيل بنائه الكثير من الجهد والمال.
وأوضحت، أن القصر اكتسب شهرته بسبب طرازه المعماري الفريد الذي مزج بين الطرازين الروماني والإسلامي، ويتكوّن من المبنى الرئيسي المكون من قبو وأربعة طوابق فوقه، وملاحق تضم ديواناً للاستقبال في الناحية الشمالية من القصر، وحديقة مربعة تتوسطها نافورة، يقع خلفها مبنى مستطيل الشكل، على جانبيه غرف متقابلة بينهما ممر واسع استخدم إسطبلاً للخيل.
وارتبط تاريخ القصر بشخصيات ذات أهمية سياسية واجتماعية، وشهد كثيراً من الأحداث التي ميزته عن سائر القصور في المنطقة، إذ اتخذ منه الملك عبدالعزيز سكناً له عندما يصيف في الطائف، ثم أصبح مقراً لمجلس الوزراء في عهد الملك فيصل، وبعد ذلك مقراً رسمياً للأمير سلطان بن عبدالعزيز، وزير الدفاع والطيران آنذاك.
وفي مرحلة لاحقة، صدر أمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود بإهداء القصر لوكالة الآثار.