منذ توحيد المملكة حتى يومها الوطني، تغيّرت المدن والطرق والبيوت، وبقي في المجتمع السعودي مكان محفوظ للقادم: مجلس تُشعل فيه النار، وتصطف فيه الدلال، ويُقدم الطعام، ويجد عابر السبيل مكانًا للراحة قبل أن يكمل طريقه. وجذور المجلس المفتوح حاضرة في عهد الموحد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود؛ إذ يذكر خير الدين الزركلي في كتابه «الوجيز في سيرة الملك عبدالعزيز» أن للملك عبدالعزيز مجلسًا عامًا في أوقات معلومة، متاحًا للناس، يحضره العلماء والوجهاء وأفراد الشعب ورجالات الدولة. ومن مجلس الموحد إلى مجالس المواطنين، بقي الباب المفتوح جزءًا أصيلًا من الثقافة الاجتماعية السعودية.

العبيكة.. نار بقيت للضيف 70 عامًا

في جبة بمنطقة حائل، يقدم بيت مبارك العبيكة واحدة من أشهر صور هذه الثقافة. وظلت «شَبّة العبيكة» مشتعلة لاستقبال الضيوف وعابري السبيل نحو 70 عامًا، حتى أصبح البيت محطة يعرفها المسافرون والمارون بجبة والنفود. وتتجاوز قصة العبيكة الرواية الاجتماعية المتداولة؛ إذ دخل منزله ضمن العمل الميداني للباحث والأكاديمي الدكتور سعد عبدالله الصويان، أحد أبرز الباحثين السعوديين المتخصصين في الشعر النبطي والثقافة الشفوية ودراسة المجتمع البدوي في الجزيرة العربية.

جمع الروايات والأشعار

عُرف الصويان بمشروع علمي امتد عقودًا لجمع الروايات والأشعار والقصص من الرواة مباشرة، وتسجيلها ميدانيًا قبل أن يطوي النسيان أجزاء منها، وأثمرت أعماله مؤلفات ودراسات متخصصة في الشعر النبطي والرواية الشفوية والثقافة البدوية في الجزيرة العربية. وفي 24 أغسطس 1983 وصل الصويان إلى جبة، وسجل في منزل مبارك العبيكة لقاءً ميدانيًا مع الشاعرة والراوية فلجة المطلب الفهيدي النماصي الشمري «أم شيحان»، ضمن أعماله في توثيق الموروث الشفهي.

الصويان: بيت يتوقف عنده المسافرون

ومن خلال عمله الميداني، قدم الصويان وصفًا مهمًا لبيت مبارك العبيكة، فشبّهه بمحطة يتوقف عندها المسافرون، ووثق أن القادم إلى جبة يجد في البيت المأوى والمأكل والقهوة وأسباب الراحة. هذه الشهادة لها قيمة خاصة؛ فهي صادرة عن باحث متخصص عاش البيئة ميدانيًا، والتقى رواة المنطقة وسجل أشعارهم وحكاياتهم، ودخل المنزل نفسه أثناء رحلاته البحثية. وبذلك لم تعد قصة «شَبّة العبيكة» مجرد حكاية متناقلة عن نار لا تخمد؛ فلدينا وصف ميداني من باحث في الثقافة الشفوية يؤكد الوظيفة الاجتماعية للبيت: محطة للمسافر، ومأوى للقادم، وطعام وقهوة وراحة لعابر الطريق.

أم شيحان.. الشعر شاهد آخر

ويضيف تسجيل أم شيحان بعدًا آخر للقصة؛ فالشاعرة نفسها نظمت شعرًا في كرم مبارك العبيكة، وربطت صورته بإغاثة الضعيف وإكرام الركب والقادمين. وتكشف رواياتها وأشعارها كذلك عن مكانة الكرم في جبة؛ حيث ارتبطت «الشبة» والقهوة واستقبال الضيف بحياة المجتمع، لتصبح قصة العبيكة جزءًا من سياق اجتماعي أوسع، لا حالة فردية منفصلة. واجتمع في ذلك البيت ثلاثة شهود على ذاكرة المكان: المسافر الذي عرف طريقه إليه، والشاعرة التي سجلت كرمه بالشعر، والباحث الذي وثق المشهد ميدانيًا.

حين كانت الضيافة حاجة للمسافر

تكتسب قصة البيت معناها الأكبر عند قراءة طبيعة جبة والنفود في ذلك الزمن. قبل شبكة الطرق الحديثة ومحطات الوقود والخدمات والفنادق، كان المسافر يعبر مسافات صحراوية طويلة، ويصبح العثور على مأوى وطعام وماء وقهوة وموضع للراحة جزءًا من سلامة الرحلة نفسها.

ومن هنا حملت النار وظيفة تتجاوز التدفئة؛ فمشاهدتها من بعيد تعني وجود منزل ومجلس وقهوة وأهل يستقبلون القادم. ولهذا ظل المجلس المفتوح في مناطق المملكة مؤسسة اجتماعية يؤدي فيها الكرم وظيفة إنسانية مباشرة.

مجلس ابن جروح.. عقود لعابر الطريق

وعلى طريق حائل – الجوف، يقدم مجلس الشيخ محمد بن جروح الشمري في قرية التربية نموذجًا آخر. استقبل المجلس الزوار وعابري الطريق، وقدمت فيه الولائم والطعام دون مقابل لنحو 40 عامًا وقت توثيق قصته، فيما كان عمر المجلس نفسه يقارب 48 عامًا آنذاك. وبقيت فلسفته قائمة على أن القادم يدخل ضيفًا، وأن الطعام يقدم لعابر السبيل والمحتاج دون تحويل الضيافة إلى مقابل مالي.

عقود من الزمن.. والباب مفتوح

في اليوم الوطني، تمنح هذه القصص شعار «عزّنا بكرمنا» ذاكرة اجتماعية حقيقية. مجلس مفتوح في عهد الموحد الملك عبدالعزيز، ونار في جبة بقيت مشتعلة للضيف نحو 70 عامًا، وبيت وصفه الباحث سعد الصويان بأنه محطة للمسافرين يجدون فيها المأوى والطعام والقهوة والراحة، ومجالس أخرى استمرت عقودًا في خدمة عابر الطريق. تغيّرت المملكة، وعُبدت الطرق، واتسعت المدن، وأصبح المسافر على بعد دقائق من الفندق والمطعم ومحطة الخدمة؛ فيما بقيت الدلة في صدر المجلس، وبقي للضيف مكان. من مجلس الموحد إلى نار العبيكة، ومن رواية أم شيحان إلى بحوث الصويان الميدانية، بقيت الحكاية السعودية واحدة: عقود من الوطن.. والباب السعودي مفتوح.