في مشهد يعيد تعريف معنى المواطنة، تحوّل التطوع في المملكة من نشاط فردي إلى ثقافة مجتمعية وطنية، تجاوزت مستهدفات رؤية 2030 قبل موعدها، لترسم ملامح مجتمع حيوي يتسع للجميع. وهنا، بين الأرقام، تنبض قصص حقيقية لأشخاص جعلوا من وقتهم وطناً ثانياً.
ومع كل صباح، وفي كل مدينة سعودية، يستيقظ آلاف الأشخاص ليس لمزاولة أعمالهم فقط، بل ليقدّموا جزءاً من وقتهم وجهدهم وخبراتهم لمن يحتاجها. لم يكن هذا المشهد موجوداً بهذا الزخم قبل سنوات قليلة. كان التطوع حينها مبادرات فردية متفرقة، لا يعرف أصحابها في كثير من الأحيان كيف يوصلونها، ولا كيف توثق، ولا كيف تتحوّل إلى أثر مستدام.
ثم جاءت رؤية المملكة 2030، الرؤية التي تحمل الخير وترسم مستقبل العطاء والازدهار، وجاء معها تحوّل جذري في النظرة إلى العمل التطوعي. ولم يعد الأمر مجرد عمل خيري موسمي، بل أصبح ركيزة استراتيجية في بناء مجتمع حيوي، وقطاعاً اقتصادياً قائماً بذاته، ومنصة لبناء الإنسان قبل المكان.
الأرقام تتحدث بوضوح
المملكة التي كان لديها نحو 55 ألف متطوع فقط، تجاوزت اليوم 1.7 مليون متطوع، محققة هدف رؤية 2030 قبل 6 سنوات من موعده. وتجاوزت ساعات التطوع 59 مليون ساعة، بقيمة اقتصادية تتجاوز 1.2 مليار ريال.
وخلف هذه الأرقام، هناك قصص. هناك أناس حقيقيون. هناك متطوعون لم يتوقفوا عند حدود الواجب، بل صنعوا لأنفسهم وطناً من العطاء. هذا التقرير يروي بعضاً من قصصهم، ويستمع إلى أصواتهم، ويرصد كيف تحول التطوع في المملكة من فعل فردي إلى ثقافة وطنية راسخة.
حين يصبح التطوع مدرسة
في أحد الأيام، وفي أحد أحياء مكة المكرمة، تجلس (مرفت محمود طيب) أمام شاشتها. لا تكتب خبراً، ولا تدير اجتماعاً. إنها تنسق لفرصة تطوعية جديدة. منذ سنوات، وهي تعمل بدأب على ممارسة أنشطة تطوعية متعددة وهادفة.
تقول: أؤمن بأن العمل التطوعي قيمة إنسانية ومجتمعية راسخة، لما يحققه من أثر إيجابي في بناء الفرد وتعزيز تماسك المجتمع.
هذه الجملة، التي تكررها مرفت كثيراً، ليست شعاراً إنها خلاصة تجربة ممتدة لسنوات عديدة، ما زالت مستمرة حتى اليوم، من خلال المشاركة في مبادرات وأنشطة عدد من الجهات، وبصفة خاصة الجمعيات غير الربحية في مكة المكرمة وجدة والرياض.
لكن قصة مرفت ليست سوى واحدة من آلاف القصص التي تصنع هذا التحول. ففي كل مدينة سعودية هناك من يستيقظ كل يوم ليمنح وقته لمن يحتاجه، وليؤكد أن التطوع في المملكة لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة، وثقافة، وطنية.
ومن العديد من المنصات والقوائم الطويلة من الجهات، التي تطوعت بها مرفت، تقول عنها: إنها ليست مجرد أسماء، بل محطات في مسيرة تعلم وعطاء.
وتضيف مرفت: «أسهمت ممارستي للتطوع في تطوير مهاراتي في التواصل الفعّال، والعمل الجماعي، وتحمل المسؤولية، والتعامل مع فئات وتجارب متنوعة، إلى جانب تعزيز قدرتي على المبادرة والالتزام والمشاركة في خدمة المجتمع».
الآن توسعت مداركي
تتابع مرفت فتقول: «أتاحت لي هذه المشاركات الإسهام في خدمة المستفيدين ودعم المبادرات المجتمعية، كما عززت خبرتي العملية ووسعت مداركي ورسخت لديّ قيم المبادرة والتعاون والالتزام».
لكن الأهم، كما تقول، هو ما اكتشفته من أن التطوع لا يقتصر أثره على المستفيدين، بل ينعكس أيضاً على المتطوع نفسه، فيمنحه خبرات جديدة وشعوراً بالإنجاز والانتماء.
و«أحرص على تحفيز الآخرين، لاسيما الشباب، على خوض هذه التجربة. أؤمن بأن كل جهد، مهما كان بسيطاً، يمكن أن يصنع فرقاً حقيقياً، وأن التطوع مسؤولية مجتمعية تسهم في بناء مجتمع أكثر تعاوناً وترابطاً واستدامة».
تطوّعت في سنّ مبكرة
(رشا الغفيلي) تمثل التطوع المتعدد، الذي بدأ منذ أن كان عمرها 22 عاماً، ولم يتوقف حتى اليوم.
تقول رشا: «انخرطت في مجال العمل التطوعي منذ أن كان عمري 22 عاماً، وشاركت في عدد من المجالات والجهات من القطاع العام والقطاع غير الربحي».
وتنوعت مشاركات رشا بين المجالات الإنسانية، والإدارية، والاجتماعية، والصحية، والإعلامية، والبحث العلمي، والابتكار. وشاركت في عدة منصات تطوعية.
لم يمر هذا الجهد دون تقدير فقد حظيت مسيرتها التطوعية بعدد من أوجه التكريم، اذ تم تكريمها في اليوم السعودي العالمي للتطوع بمنطقة القصيم لعام 2024، كما تم تكريمها ضمن المتطوعين المميزين بالمنطقة لعام 2025. وحصلت على وسام رائد التطوع، إضافة إلى حصولها على صفة متطوع خبير، وشهادات شكر وتقدير من القطاع التعليمي وعدد من الجهات المختلفة.
لكن رشا لم تتوقف عند حدود المشاركة، لقد ساهمت في نشر ثقافة التطوع من خلال كتابة المقالات عن العمل التطوعي وأثره، وعن جهود القيادة الرشيدة والمملكة العربية السعودية.
«شملت مشاركاتي أيضاً إعداد خطط إستراتيجية ومبادرات لإحدى الجهات، عندما فتحت فرصة تطوعية، وكذلك مشاركتي في مبادرة (الرس أجمل)».
وتختم رشا: «تأتي هذه المسيرة إيماناً مني بأن التطوع رسالة عطاء ومسؤولية مجتمعية، وأحد المجالات التي تسهم في خدمة الوطن والمجتمع وتعزيز قيم الانتماء والبذل والعطاء».
التطوع من منظور الأثر
(فريال الحسن) تقدّم الإطار التحليلي للأثر، فهي لا تتحدث فقط عن تجربتها الشخصية، بل تحلل كيف يؤثر التطوع على الفرد والمجتمع.
تقول فريال: «جُعل العمل التطوعي لخدمة المجتمع وبناء روابط إنسانية قائمة على التعاون، وله أثر إيجابي كبير ينعكس على الفرد والمجتمع على حد سواء».
وقد ترجمت فريال كلامها إلى واقع. فهي تتطوع في فريق تطوعي ضمن تعاونها مع بعض الجهات، وقدمت ورش عمل ومشاركات مختلفة.
قصة فريال تعكس وجهاً آخر للتطوع في المملكة: التطوع الفني والإبداعي. لم يعد التطوع مقتصراً على المجالات التقليدية، بل أصبح منصة للتعبير الفني، وتوثيق الهوية الوطنية بالصورة والكلمة.
من الفردية إلى العمل المؤسسي
يقول الدكتور سعود الغربي، مؤسس إحدى الجمعيات القائمة على التطوع: «شكّل العمل التطوعي منذ البدايات أحد أهم المرتكزات التي قامت عليها تجربة الجمعية التي قمنا بتأسيسها والتي تقف لتكون نموذجاً على التحول المؤسسي في العمل القائم على التطوع حيث أنجزنا أكثر من 300 ألف ساعة تطوعية، بمشاركة مئات المتطوعين والمهتمين بالمجال الإعلامي والمجتمعي، والتجربة أثبتت قدرة العمل التطوعي على صناعة أثر يتجاوز حدود الفعاليات والمبادرات إلى بناء المعرفة، ونشر الوعي، وتمكين الكفاءات».
ويختم الغربي بالقول: «نؤمن أن أعظم ما يمكن أن تقدمه المؤسسات غير الربحية هو أن تفتح الطريق أمام الإنسان ليقدم ما يملك من معرفة وخبرة ووقت لوطنه ومجتمعه، وأن يتحول هذا العطاء إلى أثر مستدام يبقى بعد انتهاء المبادرة».
المنصة الوطنية.. الحاضنة الرقمية للأثر
في عام 2019، أطلقت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية المنصة الوطنية للعمل التطوعي، لتكون المرجع الرسمي لتنظيم العمل التطوعي في المملكة.
المنصة لم تكن مجرد موقع إلكتروني، بل منظومة متكاملة توثق ساعات التطوع، وتصدر شهادات معتمدة، وتتيح للجهات المنظمة عرض الفرص، وتوفر دورات تدريبية للأفراد والمؤسسات.
وبحسب أحدث إحصاءات عام 2025، تجاوز عدد المتطوعين المسجلين في المنصة 2.5 مليون متطوع، وارتفع عدد المنظمات غير الربحية إلى أكثر من 7,200 منظمة.