من طوابير المراجعين إلى شاشة الهاتف، تختصر السعودية اليوم مسافة طويلة من التحوّل الذي جعل التقنية جزءاً من تفاصيل الحياة والعمل. فمنذ أول خطة إستراتيجية للعمل الحكومي الإلكتروني عام 2006، وصولاً إلى رؤية السعودية 2030 كان التحول الرقمي في صميم مسيرة التطوير، امتدت الخدمات الإلكترونية إلى المواطن والمقيم، وإلى مجالات القضاء والإعلام والأعمال والتجارة ومختلف القطاعات، لتتجاوز رقمنة الإجراءات إلى تبسيطها وأنسنتها، بما يختصر الوقت والجهد ويجعل الخدمة أكثر قرباً من حاجات المستفيد.

تيسير حياة الناس

يرى الخبير التقني وصانع المحتوى التقني عبدالله السبع، أن أبرز ما يميز تجربة التحول الرقمي في السعودية هو حجم التسهيلات التي أحدثتها التطبيقات الحكومية، مثل «أبشر» و«توكلنا» وغيرها، مشيراً إلى أن التطور لا يقتصر على تطبيقات بعينها، بل امتد إلى قطاعات حكومية متعددة، من بينها وزارة العدل التي شهدت تطوراً تقنياً كبيراً في تقديم خدماتها. ويقول السبع إن قيمة هذه التسهيلات قد لا تكون واضحة أحياناً لمن اعتاد عليها، «إلا إذا ذهبت وسألت أشخاصاً في دول أخرى عن بعض الإجراءات التي ننفذها اليوم بضغطة زر ونحن في منازلنا، بينما لا تزال في دول كثيرة تحتاج إلى مراجعة المكاتب واتخاذ إجراءات طويلة». ويرى أن ذلك يعكس حجم التحول الذي شهدته الخدمات الحكومية في المملكة، والحرص على تبني التقنية لتيسير حياة الناس. ويضيف السبع أن أثر التقنية يتجاوز اختصار الوقت والجهد، إذ تسهم في الحد من البيروقراطية، وتساعد على تقديم الخدمات بصورة أكثر تنظيماً وعدالة، مستشهداً بما كان عليه إنجاز بعض المعاملات الحكومية قبل 15 عاماً، حين كان الزحام يحدث عند الجوازات لاستخراج الجواز أو إنجاز الخدمات فأصبح يصلنا جواز السفر إلى منازلنا من معاملة رقمية بسيطة مختصرة الوقت.. فنجد اليوم أن التقنية غيّرت الكثير في حياتنا.

نقلة في العمل الإعلامي

الإعلامي سعد الحربي يشير إلى أن التحول الرقمي انعكس كذلك على الخدمات المقدمة للإعلاميين وصنّاع المحتوى، من خلال ما أتاحته الهيئة العامة لتنظيم الإعلام من خدمات إلكترونية يمكن إنجازها من أي مكان في السعودية، دون الحاجة إلى مراجعة مقر الهيئة فأصبح الإعلامي يوثق بياناته ويحصل على الشهادة المهنية إلكترونياً، وإصدار خدمة شهادة عدم ممانعة تصوير أيضاً لسهولة التصوير في الأماكن العامة المسموح التصوير فيها بما يدعم ممارسة المهنة، إضافة إلى «وثيقة موثوق» التي تتيح لصنّاع المحتوى ممارسة أنشطة التسويق والإعلان، إلى جانب قنوات التواصل والمتابعة الرقمية مع الهيئة. ويرى الحربي أن هذه الخدمات الرقمية اختصرت كثيراً من الإجراءات، وقرّبت الجهات التنظيمية من الإعلاميين وصنّاع المحتوى، بما يتيح لهم التركيز على الإبداع وتطوير ما يقدمونه من محتوى.

تحول جوهري في القانون

المحامي والمحكم ومستشار الحوكمة عبدالرحمن مساعد المحمدي قال إن التطبيقات الحكومية والمنصات العدلية الرقمية أحدثت تحولاً جوهرياً في ممارسة العمل القانوني بالمملكة؛ إذ انتقلت كثير من الإجراءات القضائية والتوثيقية والتنفيذية من صورتها التقليدية إلى منظومة إلكترونية متكاملة، تتسم بسرعة الإنجاز، ودقة الإجراء، وسهولة الوصول إلى الخدمات. وأسهمت منصة «ناجز المحامين» في تمكين المحامين وأطراف الخصومة من رفع الدعاوى، وتبادل المذكرات، وإيداع المستندات، وحضور الجلسات عن بُعد، واستلام الأحكام، وتقديم الاعتراضات وطلبات التنفيذ إلكترونياً، بما عزز مبدأ العدالة الناجزة، واختصر المدد الإجرائية، وخفّض التكاليف المرتبطة بالتقاضي. كما أسهمت خدمات التوثيق الإلكتروني، بما تشمله من إصدار الوكالات، والإفراغات العقارية، والإقرارات، وغيرها من التصرفات الموثقة، في حفظ الحقوق وتيسير المعاملات، مع تعزيز حجية المحررات الإلكترونية وموثوقيتها في الإثبات. وقد أسهم هذا التكامل الرقمي في تقوية وسائل الإثبات، والحد من الدفوع الشكلية، ورفع موثوقية المحررات الإلكترونية، وتسريع الفصل في المنازعات وتنفيذ الحقوق. ومن واقع الممارسة المهنية، مكّنت هذه المنصات المحامي من متابعة قضايا موكليه وإجراءاتهم من أي مكان، وضبط المواعيد والمدد النظامية، وسرعة الاطلاع على القرارات والأحكام والمستندات، بما رفع جودة الخدمة القانونية وعزّز كفاءة التمثيل القضائي.

مفهوم

العدالة الرقمية

هذه المنصات جسّدت مفهوم العدالة الرقمية، وأسهمت في تحقيق العدالة الناجزة، وضبط الإجراءات، وحفظ المستندات، والحد من فوات المدد النظامية، وتعزيز الشفافية والأمن القانوني، كما دعمت البيئة العدلية والاستثمارية ورفعت مستوى الثقة في التعاملات.

شهادات من مستفيدين

في مناسبة اليوم الوطني، نفخر بما وصلت إليه المملكة من تطور تشريعي وتقني في مرفق العدالة، وهو تطور يعكس مستهدفات رؤية السعودية 2030 في بناء حكومة رقمية متكاملة، تجعل التقنية وسيلة لحماية الحقوق، وترسيخ سيادة النظام، وتحسين جودة الحياة. المواطن محمد الجهني قال إن التطبيقات الحكومية أسهمت في تقليل الحاجة إلى زيارة المراكز الحكومية واختصار الوقت على المواطنين وسهولة الوصول إلى البطاقات الحكومية والممتلكات الرقمية من خلال المحفظة الإلكترونية وجمعها في منصة واحدة، بما يسهل إدارتها والحفاظ عليها. معرباً عن فخره بما وصلت إليه المملكة في مجال الخدمات الرقمية.

وقال المواطن عمر الأحمدي: لم نعد بحاجة إلى قطع المسافات أو السفر، أو مواجهة الازدحام والانتظار لإنجاز معاملة يمكن إتمامها إلكترونياً خلال دقائق. والأهم من ذلك أن الوقت الذي تم توفيره أصبح بالإمكان استثماره في العمل، أو قضاء الوقت مع الأسرة.

ومن جانبه، يقول ريان سويد: بصفتي مقيماً في السعودية، أسهمت الخدمات الحكومية الإلكترونية في تسهيل العديد من الأمور منها الاطلاع على حالة الإقامة والتأشيرات معبراً عن تقديره لما قدمته المملكة من خدمات رقمية سهّلت حياة المواطنين والمقيمين.

وفي جانب آخر، يرى المقيم عادل بكير، أن التطبيقات الحكومية أصبحت جزءاً أساسياً من حياتنا اليومية، كمقيمين الأهم بالنسبة لنا أن هذه الخدمات وفّرت كثيراً من الوقت والجهد؛ فلم أعد بحاجة إلى الاستئذان من عملي أو الانتظار لإنجاز معاملة بسيطة، فأستطيع إنجاز كثير من التزاماتي خلال دقائق، وأحياناً ثوانٍ، عبر هاتفي.