في مشاهد لم تكن قابلة للتخيل قبل سنوات قليلة، حين كان الهمس بكلمة نقد واحدة تجاه مسؤول كفيلًا بإنهاء حياة قائلها، تشهد العاصمة السورية دمشق هذا الأسبوع مشهدًا ديمقراطيًا صحيًا وغير مسبوق. حفل الفنانة أصالة نصري، الذي أحيته مساء الخميس الماضي في صالة «الفيحاء» بعد سنوات غياب طويلة بسبب مواقفها المناهضة للنظام السابق، يتحول إلى ساحة لاختبار سقف حرية التعبير في «سورية الجديدة».

شكلت خطب الجمعة في عشرات المساجد عبر مختلف المحافظات السورية ظاهرة لافتة، إذ لم يتوانَ الخطباء عن توجيه سهام النقد المباشر والعلني للحكومة، وكان وزير الثقافة شخصيًا في مرمى الاستهداف المباشر.

الوزير الذي اعتبر حفل أصالة وتكريمها تجسيدًا لـ«انتصار المظلوم على الظالم»، واجه ردًا علنيًا قاسيًا من أحد الخطباء الذي خاطبه دون خوف: «عار عليك يا وزير الثقافة أن تقول هذا الكلام»، موضحًا أن الانتصار الحقيقي بمفهومه يكون عبر عودة المهجرين، واستعادة الحقوق، وتطبيق العدالة الانتقالية، وإعادة المنازل لأصحابها، وليس عبر إقامة الفعاليات الغنائية.

لم تعد المنابر مجبرة على التغني بالسياسات الرسمية، بل أصبحت مساحة حرّة للتعبير عن المظالم والأولويات الاجتماعية والشرعية. وُجهت انتقادات حادة لفكرة الحفل من أساسها، حيث جرى التأكيد على تحفظات شرعية تنكر الحفلات الغنائية والاختلاط، وتعتبر أن إظهار هذه الفعاليات بمظهر التقدم والحضارة هو أمر مرفوض.

لم يقتنع رجل الدين محمد نعيم الحريري بحجة تخصيص جزء من عوائد الحفل للجمعيات الخيرية، مؤكدًا أن النص الشرعي والأولويات تتطلب التذكير والنصح، بدلاً من إقامة احتفالات لا تراعي ظروف البلاد. وفي اتجاه متصل، استنكر الخطباء العبارة التي قيلت عن بقاء دمشق «إلى يوم القيامة»، ليرد خطيب آخر بمباشرة شديدة: «إذا أردنا أن تبقى معنا دمشق إلى يوم القيامة فلنتقِ رب دمشق، ولنطع أمره ونبتعد عن المنكرات».

مواجهة الفجوة الطبقية

وفي إطار حرية المساءلة الشعبية للواقع المعيشي، استغل رجال الدين هذه المساحة المفتوحة للتركيز على أسعار التذاكر الخيالية التي تراوحت بين 50 و800 دولار أمريكي.

تساءل رجل الدين أبو أحمد الجزائري بجرأة عن وجهة هذه الأموال، قائلاً: «أليس أهل المخيمات أولى بهذه الأموال؟ أليس فقراء سوريا أولى بها؟». ورغم إقراره بشرعية تكريم أصالة لموقفها الداعم للثورة قائلًا: «كرّمها، ما في مشكلة»، إلا أنه رفض ربط التكريم بحفل غنائي يكتنفه الاختلاط، مؤكدًا أن هناك قطاعات واسعة من الجرحى وعائلات الضحايا والمهجرين هم أحق بالدعم والرعاية في هذا الوقت الحرِج.

امتدت حالة الحراك الحر لتطال الألقاب والرموز، إذ تحفّظ خطباء كثيرون على إطلاق وصف «أيقونة الثورة» على الفن، معتبرين أن هذا اللقب ملك حصري للشهداء، ولمن بذل دمه وتدمر منزله وفقد أبناءه. وأبرزت الخطب الفجوة بين من خاض المعارك وبذل الدماء، وبين من يكتفي بالتمايل على أنغام الموسيقى.

معركة «هوية الشام»

في مواجهة موجة الغضب التي اعتلت المنابر، رفعت الأوساط السياسية والثقافية جداراً حامياً حول الحفل، معتبرة زحف الآلاف نحو صالة «الفيحاء» إعلان انتصارٍ حي للحرية والتنوع ورداً صريحاً على محاولات أحادية الصبغة.

من فوق الخشبة، حسم وزير الثقافة محمد ياسين صالح الموقف الرسمي بوصف أصالة بـ «ابنة الشام التي تفتح عودتها الباب لكل حر»، رافضاً الخضوع لحملات إلغاء ما وُصفت بـ«حفلات المعاصي»، ومؤكداً أن الفنون هي عماد الهوية الجامعة. موقفٌ عضده مستشار الرئاسة أحمد زيدان باعتبار أصالة «رمزاً أميناً لوديعة الشهداء ومدماكاً لسورية الجديدة»، فيما رأت وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات في الحفل «رسالة للعالم بأن الشام تستحق الفرح».

وعلى خط المواجهة الفكرية، جرد إعلاميون ومثقفون (في مقدمتهم فيصل القاسم وفرح الأتاسي) أقلامهم للتأكيد على أن سورية الحقيقية هي التي تفتح ذراعيها للتاريخ والجمال لا لمن يشتهي التكميم. وبينما اشتعل الجدل الفقهي، اعتلى آلاف الحاضرين المدرجات بدموع تفيض وأصوات تلهج «ارفع رأسك أنت سوري حر»، ليروا في الحفل (وأغنياته المهداة للساحل والسويداء وكل شبر سوري) الفعل الوطني الأبلغ لترميم جراح الحرب واستعادة روح دمشق المدنية.

ويمكن القول إن هذا التراشق الفكري والسجال الحاد ما بين متمسكين بقيم المدنية والعلمانية من جهة، وآخرين يصرحون بالفم الملآن: «ليس لإحياء حفل أصالة نصري خرجنا»: يعد المؤشر الأبرز على ولادة مناخ جديد في سورية. مناخ تتكسر فيه الخطوط الحمراء، وتصبح فيه القرارات الرسمية ورموز السلطة تحت مجهر النقد والمحاسبة الشعبية علنًا وبلا خوف.