في مساحة تفوح منها رائحة التبن والرطوبة، وبين جدران طينية متهالكة في أطراف «قلعة الأندلس» في تونس، قرر أحد أكثر العناصر الإجرامية خطورة في ولاية أريانة أن يكتب الفصل الأخطر من حياته. لم يكن المكان سوى إسطبل مهمل ومهجور، لكنه تحول على مدار ثلاث سنوات كاملة إلى «عاصمة سرية» لإدارة تجارة السموم والمشروبات الكحولية خلسة.
ألف يوم من الفرار والتواري لم يعشها الرجل طريداً يستجدي المخبأ، بل عاشها كرأس لشبكة سوداء، يحول عتمة المكان ورائحة الروث الكريهة إلى أفضل «ستار أمني» يختبئ داخله به من أعين الشرطة. كان يدرك تماماً أن أحداً لن يتخيل أن المجرم الملاحَق بعشرات مناشير التفتيش وبطاقات الجلب القضائية، والمسؤول عن تغذية الشوارع بالمخدرات، ينام على القش ويجري صفقاته بين المعالف.
في النهار، صمت مطبق، يتوارى بين زوايا الإسطبل كأن المكان مهجور منذ عقود. وفي الليل، يتبدل المشهد، يخرج الهاتف المهرب، وتبدأ الاتصالات المشفرة لتحديد نقاط التسليم، وتخزين الشحنات القادمة وتحريك البضائع عبر وسطائه، في إدارة رقمية وميدانية حذرة جعلت منه «شبحاً» يعيش في القاع ويدير العبث في الخارج.
لكن «أسطورة المخبأ السحري» بدأت تتآكل عندما تقاطعت الخيوط الاستخباراتية لدى فرقة الأمن الوطني بأريانة المدينة. مرّ أسبوعان من الرصد الصامت، وتتبع الأثر على أطراف قلعة الأندلس، كانا كفيلين بفك شفرة الحركة المريبة حول الإسطبل «المهجور».
وفي لحظة خاطفة لم تحسب لها حيلة الهارب حساباً، اقتحمت القوات المخبأ، ليتصادَم واقع التجارة المحرمة برائحة المكان، ويُساق الهارب من عتمة الإسطبل إلى قفص الاتهام بقرار مباشر من النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بأريانة، منهياً رحلة حياة استثنائية اختار فيها الجاني أن يدفن نفسه حياً بين القش لمجرد البقاء حراً.