لطالما شكّل وكلاء إيران في المنطقة على مدى عقود أحد أبرز أدوات نفوذها السياسي والعسكري، والركيزة الأساسية في إستراتيجيتها القائمة على التمدد والتوسع خارج حدودها، فمن خلال دعمها لجماعات مسلحة وتنظيمات سياسية عديدة في دول مثل العراق ولبنان واليمن استطاعت طهران أن تبني شبكة نفوذ سياسية وعسكرية معقدة، ظناً منها أنها ستمنحها القدرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية دون الدخول في مواجهات مباشرة مكلفة، لكن مع اندلاع الصراع الأخير وما قد يخلفه من تداعيات اقتصادية وسياسية على المنطقة بأسرها، برز سؤال جوهري في غاية الأهمية ألا وهو ما هو مستقبل هذه الأذرع خلال المرحلة القادمة؟.الأرجح أن ما سنشهده ليس نهاية لهذه المرحلة بل تحوّلًا في طبيعتها ووظيفتها، فقد تتجه هذه الجماعات إلى تبني أدوار أقل عسكرية وأكثر سياسية، وقد يتقلص حجم الدعم الخارجي الذي تتلقاه مما يضطرها إلى زيادة الاعتماد على الموارد المحلية للدول التي تؤويها، وهو ما قد يمنحها قدرًا أكبر من الاستقلالية فيما يتعلق بالقدرة على اتخاذ القرار والمواءمة بين انتماءاتها الخارجية وظروف دولها الإقليمية، غير أنه في الوقت ذاته سيضعف من قدرتها على تنفيذ أجندات إقليمية على نطاق واسع.
اقتصاديًا لم يكن دعم هذه الجماعات أمرًا هامشيًا، بل شكّل –طيلة الوقت- استنزافًا حقيقيًا للاقتصاد الإيراني، والذي يعاني أصلًا من العقوبات الدولية بخلاف سوء الإدارة بطبيعة الحال، وقد اضطرت طهران إلى تخصيص موارد مالية ضخمة لتمويل العمليات العسكرية بالخارج وتوفير الرواتب والسلاح والتدريب والدعم بمختلف صوره وأشكاله، ومع اشتداد الضغوط الاقتصادية الداخلية وارتفاع معدلات التضخم والبطالة بإيران بدأ هذا النهج يثير تساؤلات داخلية حول مدى جدواه، خاصة في ظل تراجع القدرة على تمويل هذه الشبكات على نفس النحو السابق.
بين الحين والآخر تبدو ورقة التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران حاضرة في رسم ملامح المرحلة المقبلة التي تتّسم بالغموض التام، والتي تحوي العديد من البنود العالقة، لعل أهمها البرنامج النووي الإيراني ومصير مضيق هرمز، غير أنه قد يتضمّن أيضًا بنودًا غير معلنة تتعلق بتقليص النفوذ العسكري لطهران في المنطقة، فالعديد من القوى الغربية تدرك أن نفوذ إيران الإقليمي عبر وكلائها لا يقل أهمية وخطورة عن قدراتها النووية أو رغبتها غير المشروعة في التحكم في مضيق هرمز، ما يجعل مسألة الوكلاء حاضرة بشكل أو بآخر على طاولة التفاوض.
لكن هل من الممكن الاتفاق على أن تتخلى إيران عن وكلائها بشكل مباشر؟ تصعب الإجابة على هذا التساؤل، فالوكلاء يمثلون لطهران ورقة ضغط إستراتيجية يصعب التفريط فيها بسهولة، خاصة أنهم يشكّلون خط الدفاع الأول عن مصالحها في الخارج، ومع ذلك قد نشهد تحوّلات غير مباشرة مثل تقليص الدعم المالي أو إعادة هيكلة العلاقة مع هذه الجماعات بما يتناسب مع الضغوط الدولية الجديدة كما أسلفنا الذكر، وحتى لو لم ينص الاتفاق بشكل واضح على إنهاء دعم الوكلاء، فإن مستقبلهم سيبقى رهين عدة عوامل، أولها قدرة إيران الاقتصادية على الاستمرار في تمويلهم، وثانيها الضغوطات السياسية داخل الدول التي ينشطون فيها، وثالثها التحوّلات الدولية والإقليمية التي يشهدها عالمنا اليوم.
في نهاية المطاف لا يبدو أن وكلاء إيران سيتلاشى دورهم بين ليلة وضحاها، لكن المؤكد أن طبيعة هذا الدور ستتغير بطريقة أو بأخرى خلال الفترة القادمة، فبين ضغوط الاقتصاد ومتطلبات التفاهمات الدولية، تدخل هذه الجماعات مرحلة إعادة تعريف لوظيفتها وموقعها في ظل تصاعد سريع للأحداث يوماً بعد يوم، وقد يكون المستقبل أقرب إلى تقليص النفوذ منه إلى إنهائه، فمن المتوقع أن تسعى إيران إلى الحفاظ على الحد الأدنى من نفوذها ولكن دون تحمّل الكلفة الباهظة لإستراتيجيتها التي ميّزت المرحلة السابقة.