بعد خمسة أشهر من إسقاط مقاتلة أمريكية داخل الأراضي الإيرانية، كشفت شبكة «سي بي إس نيوز» تفاصيل مثيرة لعملية إنقاذ معقدة لضابط في سلاح الجو الأمريكي، ظل مصاباً ومختبئاً خلف خطوط العدو لمدة يومين، بينما كانت القوات الإيرانية تقترب من موقعه.


وشارك في العملية أكثر من 90 جندياً أمريكياً على الأرض، إلى جانب مئات العناصر جواً وآلاف آخرين قدموا الدعم، في أول مرة تطأ فيها قوات أمريكية الأراضي الإيرانية منذ 46 عاماً.


وتكشف تفاصيل العملية، التي عرضها برنامج «60 دقيقة»، كيف تحولت مهمة قصف إلى سباق مع الزمن لإنقاذ أحد أفراد الطاقم، بعدما أصيبت مقاتلته «إف-15 إي» بصاروخ محمول على الكتف، وكيف استخدمت واشنطن التضليل الاستخباراتي والضربات الجوية والقوات الخاصة للوصول إلى الضابط وإخراجه من منطقة جبلية وعرة، قبل أن تتعقد عملية الانسحاب نفسها بسبب تعلق طائرات الإنقاذ في الرمال، وانتهت بتدمير معدات عسكرية أمريكية لمنع وقوع تقنياتها في أيدي الإيرانيين.


2 أبريل.. سقوط المقاتلة


بدأت تفاصيل العملية ليلة 2 أبريل 2026، عندما كان طاقم المقاتلة «إف-15 إي»، ضمن مهمة حملت نداء «دودي 44»، ينفذ ضربة على منشآت صناعية مرتبطة ببرنامج إيران للطائرات المسيّرة والصواريخ، في منطقة جبلية جنوب مدينة أصفهان.


وأصيبت المقاتلة، التي تقدر قيمتها بنحو 30 مليون دولار، بصاروخ محمول على الكتف، ما دفع الضابطين الموجودين على متنها إلى استخدام مقعدي القذف بعدما أدركا أن الطائرة لم تعد قابلة للإنقاذ.


وكان الطيار يحمل الرمز «ألفا»، فيما كان الضابط المتخصص في أنظمة الأسلحة، الجالس في المقعد الخلفي، يحمل الرمز «برافو».


ونجا «ألفا» بعد هبوطه بأمان، لكن «برافو» واجه سقوطاً أكثر خطورة بعدما تسبب الصاروخ في إتلاف مظلته، ليسقط بسرعة تراوحت بين 70 و100 ميل في الساعة، قبل أن يرتطم بالأرض ويصاب بكسور في الظهر والذراع والكتف.


يومان خلف خطوط جيش إيران


ورغم إصاباته، تمكن «برافو» من التحرك بعيداً عن موقع سقوطه والاختباء في منطقة جبلية تحيط بها المنحدرات الصخرية، فيما بدأت القوات الإيرانية عمليات البحث عن أفراد الطاقم.


وقال الضابط، في أول ظهور إعلامي له بعد الحادث، إن اللحظة الأكثر رعباً كانت عندما نظر إلى الأعلى ولم يرَ مظلته، واصفاً نجاته لاحقاً بأنها «معجزة العصر الحديث».


وفي الوقت نفسه، وصلت أنباء إسقاط المقاتلة إلى وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، بينما نشرت وسائل الإعلام الإيرانية صوراً لحطام الطائرة، وظهرت مقاطع لمجموعات مسلحة إيرانية وهي تبحث عن الطيارين.


وأفادت مصادر عسكرية أمريكية بأن القوات الإيرانية اقتربت إلى مسافة بضع مئات من الأمتار من موقع «برافو»، فيما قال رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين إن القوات البرية الإيرانية كانت لديها «نية واضحة» للعثور عليه.


سباق أمريكي مع القوات الإيرانية


بعد نحو 6 ساعات من إسقاط المقاتلة، تمكنت قوة أمريكية من إنقاذ «ألفا»، رغم تعرض مروحياتها لإطلاق النار، لكنها لم تتمكن من العثور على «برافو» واضطرت إلى الانسحاب.


وفي الليل، تمكن «برافو» من إرسال رسالة إلى القوات الأمريكية، أكد فيها أنه مصاب لكنه لا يزال قادراً على الحركة.


وقرر هيغسيث في تلك المرحلة عدم إرسال قوة إنقاذ جديدة، بعدما رأى أن الظروف لم تكن مناسبة، واعتمد خطة «الـ24 ساعة»، لإبقاء الضابط على الأرض فترة إضافية، بالتزامن مع تكثيف عمليات البحث والمراقبة.


خداع استخباراتي وضربات حول مخبأ الضابط


دخلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية على خط العملية، واستخدمت حملة تضليل متعددة المحاور لإرباك القوات الإيرانية التي كانت تبحث عن «برافو»، إلى جانب تقنيات سرية لتحديد موقعه.


وكشفت «سي بي إس نيوز» عن تسجيل مصور رُفعت عنه السرية حديثاً، يظهر قاذفات وطائرات مسيّرة أمريكية وهي تضرب قوات تابعة للحرس الثوري الإيراني بالقرب من مكان اختباء الضابط.


وقال قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر إن أكثر من 90 عسكرياً أمريكياً شاركوا في العملية على الأرض، فيما شارك المئات جواً وآلاف آخرون في تقديم الدعم.


إنقاذ تحت النار


وصلت قوة الإنقاذ على متن طائرتين كبيرتين إلى مدرج صحراوي مؤقت، قبل إطلاق مروحيات صغيرة من طراز «ليتل بيرد» للوصول إلى «برافو» المختبئ قرب حافة جبلية على بعد عدة أميال.


ونجحت القوات الخاصة في الوصول إليه واستعادته، لكن عملية الانسحاب واجهت أزمة جديدة بعدما علقت عجلات هبوط طائرات الإنقاذ في الرمال.


ودفعت هذه المشكلة وحدة سرية تابعة للقوات الجوية الأمريكية إلى التدخل لإنقاذ القوة، قبل أن تقرر واشنطن تدمير الطائرتين العالقتين، اللتين تبلغ قيمة الواحدة منهما نحو 100 مليون دولار، إضافة إلى مروحيات «ليتل بيرد»، لمنع وقوع تقنياتها في أيدي القوات الإيرانية.


وبذلك انتهت واحدة من أكثر عمليات الإنقاذ تعقيداً في التاريخ العسكري الأمريكي، بعد يومين قضاها ضابط أمريكي مصاباً خلف خطوط العدو، في عملية وطأت خلالها القوات الأمريكية الأراضي الإيرانية للمرة الأولى منذ 46 عاماً.