تاريخ طويل من مطاردة «أشباح» المقاومة في قطاع غزة، وانتهى الفصل الأخير منه في منتصف الليل بسيناريو لم يكن أحد يتوقعه. رجل عاش سنواته تحت الأرض، ونجا من أطنان الصواريخ التي دمرت الأنفاق فوق رأسه ورأس كبار قادة حركة حماس، ليسقط في النهاية صريعاً على جانب الطريق في منطقة «المواصي» بخان يونس، صريع صاروخين أطلقتهما طائرة مسيّرة إسرائيلية. فمن هو هذا القائد الصيد، وكيف تحول إلى أشلاء في هجوم غادر؟
القتيل هو محمد اليازوري (أبو الهيثم)، القائد العام لـ«لواء خان يونس» في كتائب القسام، وأحد أبرز العقول الأمنية في المقاومة الفلسطينية. لم تكن هذه المرة الأولى التي يوضع فيها اليازوري على قائمة التصفية، ففي عام 2021 خلال معركة «سيف القدس»، قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية نفقاً مركزياً في خان يونس بأطنان من الصواريخ لتدمر جزءاً كبيراً منه. كان النفق يضم «المربع الذهبي» لقيادة القسام: يحيى السنوار، ومحمد السنوار، ورافع سلامة، ومحمد اليازوري.
يومها، خرج الجميع من تحت الركام أحياء بمعجزة، ليعود «أبو الهيثم» إلى الميدان أشد حذراً وأكثر توارياً عن الأنظار. وقبل أن يتولى قيادة لواء خان يونس خلفاً لسلفيه عز الدين الحداد ومحمد عودة في مايو الماضي، كان اليازوري يمسك بأخطر مفاصل القسام، إذ أدار جهاز الاستخبارات لسنوات، وكان العقل الذي جمع ورسم الخرائط والمعلومات الأمنية الحساسة التي استُخدمت في التخطيط للهجوم الكبير في 7 أكتوبر 2023. ولم يتوقف دوره عند هذا الحد، بل كان من القيادات الميدانية القليلة التي أشرفت بنفسها على ملف الأسرى الإسرائيليين وتنسيق عمليات تسليمهم خلال صفقات التبادل.
وبعد ضربة إسرائيل في العتمة، تبرز المفارقة المدوية التي كشفتها مصادر ميدانية ومفادها أن تل أبيب ربما لم تكن تعلم بوجود اليازوري في هذا الشارع! فالغارة التي وقعت قرب مسجد «القبة» كانت تستهدف بالأساس رفيقه في السير حذيفة أبو معمر، المهندس المتخصص في تطوير القدرات العسكرية للقسام. وعندما قصفت المسيّرة الرجلين، تحول جثمان اليازوري إلى أشلاء مشوهة تعذّر التعرف عليها حتى ساعات الفجر الأولى، ليكتشف الشارع الفلسطيني والإسرائيلي لاحقاً أن ضربة عشوائية أسقطت واحداً من أثقل القادة الاستخباريين في تاريخ غزة.