ماذا يعني أن ندشّن مشاريع جديدة في قطاع المياه؟ قد يبدو الأمر للمتلقي في ظاهره مجرد خبر عن مشاريع واستثمارات جديدة، لكنني أراه أبعد من ذلك، فالمسألة ليست في أن نضيف مشروعًا إلى مشروع، بل في أن ننتقل خطوة أخرى في علاقتنا مع صناعة كانت لسنوات تعتمد على استيراد التقنية وتشغيلها.
حالما يأتي اليوم موضوع توطين الصناعات والخدمات المائية، فالموضوع يكون عن مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا نكتفي فيها بشراء التقنية، بل نتعلم كيف نطوّرها ونصنعها، ثم نصل بها إلى أسواق أخرى قد تفتح لنا مجالات جديدة ومستحدثة، وهذا هو الفرق بين أن تستخدم صناعة ما، وأن تمتلك أدواتها ومعرفتها وخبراتها، وبلادنا الغالية لديها ما يساعدها على هذه النقلة من خبرة طويلة في تشغيل منظومات المياه، وتجارب متراكمة، وبنية تحتية متكاملة، وسوق كبيرة وضخمة يمكن أن تكون نقطة انطلاق لصناعة تنافسية.
أجمل ما في هذه الخطوة المباركة أنها تجعل من التحدي فرصة؛ فالماء بالنسبة لبلادنا لم يكن يومًا شأنًا عابرًا؛ هو حاجة أساسية فرضت علينا أن نبحث عن الحلول ونطوّرها وقد كتبت عن ذلك سابقًا وتحدثت عن إمكانية استثماره اقتصاديًا، واليوم يبدو أننا ننتقل من البحث عن الحل إلى صناعة الحل ذاته حتى نصل إلى مرحلة نصنع فيها التقنية التي نحتاجها، ثم نصدرها إلى غيرنا، وهذا يعني أننا لن نكون قد حققنا توطينًا لقطاع فحسب، بل صنعنا «معرفة» يمكن أن تتحوّل إلى اقتصاد وفرص واستثمارات حديثة العهد.
ختامًا.. تدشين هذه المشاريع لا يعني فقط أن مشاريع جديدة بدأت، بل يعني أن صناعة جديدة تكبر أمامنا وتستعد للمستقبل.. صناعة تبدأ من الماء، لكنها قد تمتد إلى ما هو أبعد منه.. إلى المعرفة، والاستثمار، والتصدير، وإلى اقتصاد يعرف كيف يحوّل احتياجاته إلى فرص تنموية تسبق العالم كله وتستعجل المستقبل البعيد.