الأمريكيون يحاربون إيران بأدواتها. هذا ما تقوله وتثبته وقائع الحرب القائمة لكسر نفوذ إيران وتغيير سلوكها في المنطقة، عبر دفعها بالحدّ الأدنى إلى قبول الشروط الأمريكية. والحدّ الأدنى لا يعني إسقاط الهدف الأكبر المؤجل، وهو إسقاط النظام بشكل كامل، لكن ليس على الطريقة الأمريكية التقليدية عبر الاجتياحات والتي كانت جميع نتائجها سيئة في البلدان التي دخل إليها الأمريكيون لإسقاط أنظمتها، لجهة الفوضى بدل التنمية والاستقرار أو الإتيان بنتائج عكسية كما حدث في العراق. ففي العراق، لم يسقط نظام صدام حسين فحسب، بل واقعياً وعملياً تمّ تسليم العراق إلى النفوذ الإيراني لعقود بحسابات أمريكية في المنطقة آنذاك.
تعتمد إيران منذ بداية الحرب الأمريكية عليها سياسة رفع الكلفة ليس على الولايات المتحدة الأمريكية، لكن بالدرجة الأولى على دول المنطقة، بذريعة أن ضرب هذه الدول سيدفع حكامها وقياداتها إلى الضغط على ترمب لوقف الحرب.
أرادت إيران الاستنزاف منذ بداية الحرب، فعمدت إلى استخدام ما تعتبره أوراق القوة لديها بدءاً من الوكلاء في لبنان والعراق واليمن وصولاً إلى قرصنة مضيق هرمز ومحاولة فرض واقع جديد لتكريس نفوذها عليه. لم ينسحب ترمب من الحرب خلافاً للتوقعات الإيرانية ولم ترضخ الدول العربية كذلك. والأهم، بدّل ترمب قواعد اللعبة، وبدل الانزلاق إلى ملعب إيران المفضل في الاستنزاف، استخدم الأدوات نفسها في المواجهة. فرض حصاراً على الحصار الإيراني في مضيق هرمز، وعمل بمشاركة الدول المعنية الأخرى على خلق بدائل عن مضيق هرمز لسحب هذه الورقة، كما بدأ بالتوازي بتطبيق عملية إعادة التشكيل السياسية والأمنية في المنطقة من خلال ممارسة الضغوط القصوى على ساحات إيران التي لطالما شكّلت خط دفاع أول عن النظام الإيراني، أي وكلائها في لبنان والعراق واليمن. بموازاة ذلك، أطلق ترمب عملية «يوم الإنزال الاقتصادي» أو «المنبوذ الاقتصادي» والتي تستهدف شبكات تمويل طهران الموازية من اقتصاد الظل أو التجارة والعمليات المالية الرقمية وغيرها. هذه العملية تشكّل السلاح الأهم في الحرب الأمريكية لأنها تستهدف تفكيك الشبكات التي تسمح لطهران بالالتفاف على العقوبات والحصار.
اليوم، تدخل المواجهة مع إيران مرحلة مركّبة. فإيران لا تزال تصرّ على سياسة رفع الكلفة، لذلك، فهي انتقلت الآن من رفع الكلفة العسكرية إلى رفع الكلفة الاقتصادية، من خلال ما تعتبره «إفراغ إستراتيجية أمريكا» في حربها الاقتصادية على إيران.
بالتوازي، بدأت الولايات المتحدة بحملة تطويق وصولاً إلى ضرب بنية وكلاء إيران في البلدان التي يعملون فيها. في المقابل، تعمل إيران على مواجهة هذه الحملة من خلال إعادة تشكيل بنية وكلائها وآليات عملهم على أساس لا مركزية جهادية إقليمية، بالتوازي مع اعتماد اللامركزية داخل بنية كل وكيل، أي عبر تقسيم هذه المجموعات نفسها إلى فرق تعمل بصورة مستقلّة عن بعضها البعض ضمن البلد أو الساحة الواحدة.
من هذا المنظور بالذات، يجب قراءة الانكفاء العسكري «المؤقت» حتى الساعة لحزب الله في لبنان في مقابل فتح معركة داخلية ضد الدولة لإفراغها من وظيفتها وإفشال عملية حصر السلاح والحفاظ على وجوده ونفوذه، وتوزيع الأدوار وازدواجية الخطاب والممارسة لمليشيات الحشد في العراق، والعمليات المزدوجة التي تقوم بها مليشيا الحوثي في اليمن بين المعركة العسكرية ضد الدولة اليمنية من جهة، والاعتداء على المملكة ومحاولة السيطرة على باب المندب من جهة أخرى.