رغم التطور المتسارع في قطاع النقل، وظهور منظومة حديثة تضم القطارات والحافلات المنظمة وشركات النقل التشاركي والتطبيقات الذكية، ما زالت «الكدادة» ظاهرة في المشهد اليومي، خصوصاً أمام بوابات المطارات ومحطات السفر، وبين المدن والقرى، مما يعكس استمرار حاجة بعض المسافرين إلى خدمة سريعة ومرنة، لكنها في الوقت نفسه تثير تساؤلات حول السلامة والموثوقية وحقوق الركاب.
«الكدادة» من المهن الشعبية القديمة التي شكّلت أحد أبرز أنماط النقل الأهلي في المجتمع، وارتبطت بمرحلة ما قبل التنظيمات الحديثة لقطاع النقل؛ إذ كان «الكداد» ينقل الركاب بسيارته الخاصة بين المدن والقرى، مستنداً إلى معرفته بالطرق وثقة الناس به، لتصبح هذه الممارسة وسيلة أساسية للتنقل لسنوات طويلة.
ومع تغير منظومة النقل وارتفاع معايير السلامة والتنظيم، أصبحت ممارسة «الكدادة» بصورتها التقليدية تثير عدداً من الإشكالات، في مقدمتها اعتمادها على مركبات خاصة لا تخضع بالضرورة للاشتراطات والفحوص الدورية المخصصة لمركبات نقل الركاب، ما يجعل مستوى جاهزيتها وسلامتها متفاوتاً من مركبة إلى أخرى، وقد لا يكون بعضها مناسباً للرحلات الطويلة أو مجهزاً بوسائل السلامة اللازمة.
وتبرز كذلك إشكالية الأسعار، في ظل غياب آلية واضحة وموحدة لتحديد أجور الرحلات، الأمر الذي قد يعرّض الركاب لتفاوت كبير في التكلفة أو مبالغات في الأسعار، خصوصاً في المواقع التي يرتفع فيها الطلب، مثل بوابات المطارات ومحطات السفر، وفي أوقات الذروة التي تقل فيها الخيارات المتاحة أمام المسافر.
ولا تتوقف الإشكالات عند المركبة أو السعر، إذ يواجه الراكب، في حال وقوع حادثة مرورية أو نشوب خلاف مع السائق أو نسيان متعلقات داخل المركبة، صعوبة في تحديد الجهة التي يمكن الرجوع إليها، في ظل غياب سجل رسمي للرحلة أو عقد يحدد حقوق والتزامات الطرفين، ما يضع الراكب في موقف أضعف مقارنة بخدمات النقل النظامية التي توفر قنوات واضحة للشكاوى والمتابعة والمسؤولية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل الأسباب التي أبقت «الكدادة» حاضرة حتى اليوم؛ فهي توفر، في بعض الحالات، مرونة وسرعة لا تتوافر دائماً في الوسائل الحديثة، إذ يستطيع المسافر الانطلاق فوراً دون انتظار موعد أو توفر مركبة عبر التطبيقات، كما تتيح له الوصول مباشرة إلى مدينته أو قريته دون توقف أو تحويلات، ما يجعلها خياراً عملياً لبعض المسافرين، خصوصاً في ساعات الذروة، غير أن هذه المرونة لا ينبغي أن تأتي على حساب السلامة والحقوق، كما أن استمرار «الكدادة» أمام بوابات المطارات ومحطات السفر قد يتسبب في إرباك حركة النقل المنظمة، ويخلق تفاوتاً بين خدمات تخضع للرقابة والاشتراطات وأخرى تعمل خارج الأطر التنظيمية.
السرعة.. أم الأمان والموثوقية
مع اتساع منظومة النقل الحديثة، تبدو الحاجة قائمة إلى معالجة ظاهرة «الكدادة» من خلال التنظيم لا التجاهل؛ فبدلاً من بقائها ممارسة غير منظمة، يمكن بحث آليات تتيح الاستفادة من مرونتها وسرعتها، مع إخضاع المركبات والسائقين للاشتراطات اللازمة، وتنظيم الأسعار، وتوثيق الرحلات، وحفظ حقوق الركاب، ما يضمن أن تتحول هذه الممارسة القديمة -إن استمر الطلب عليها- إلى خدمة أكثر أماناً وموثوقية، وتنسجم مع التطور الذي يشهده قطاع النقل.
فالكدادة لم تعد مجرد مهنة شعبية مرتبطة بذكريات الماضي، بل ظاهرة لا تزال تفرض حضورها في بعض المواقع، ما يجعل تنظيمها ومعالجة سلبياتها أكثر جدوى من تركها خارج منظومة النقل الحديثة.
الحاجة لا تجعل النقل العشوائي مشروعاً
المحامي والمستشار القانوني محمد البارقي يرى أن الأصل النظامي في ممارسة نشاط نقل الركاب هو الحصول على الترخيص اللازم واستيفاء الاشتراطات التي تضمن سلامة الراكب وتنظم العلاقة بين مقدم الخدمة والمستفيد. وأوضح أن ممارسة الفرد نقل الركاب مقابل أجر بصورة منتظمة وخارج الأطر النظامية لا تتحول إلى ممارسة مشروعة لمجرد أن المركبة خاصة أو أن الراكب وافق على الرحلة، مؤكداً أن نشاط النقل يخضع لتنظيمات واشتراطات وضعتها الجهة المختصة بهدف ضبط القطاع وحماية أطراف العملية.
وأشار البارقي إلى أن أهمية التنظيم لا تقتصر على الجانب الإداري أو الاقتصادي، وإنما تمتد إلى حماية الراكب؛ فالناقل النظامي يعمل ضمن منظومة يمكن من خلالها معرفة بياناته وبيانات المركبة، بينما يؤدي النقل غير المرخص إلى إضعاف وسائل التحقق والمتابعة، خصوصاً في الحالات التي تنشأ فيها مشكلة أثناء الرحلة.
البارقي يضيف أن حاجة بعض الأشخاص إلى زيادة دخلهم أو عدم انطباق بعض اشتراطات المركبات عليهم قد تفسر لجوءهم إلى العمل بصورة غير نظامية، لكنها لا تجعل المخالفة مشروعة، مبيناً أن الطريق النظامي هو معالجة أسباب عدم التأهل والترخيص بدلاً من ممارسة النشاط بعيداً عن الرقابة.
ضبط «المنادي» قبل الرحلة
لمواجهة الظاهرة، كثفت الهيئة العامة للنقل حملاتها الرقابية على ممارسات نقل الركاب دون الحصول على ترخيص، مؤكدة أن الرقابة لم تعد تركز فقط على السائق الذي ينقل الراكب فعلياً، وإنما تمتد كذلك إلى ما تصفه الأنظمة بـ«الأعمال التحضيرية» للنقل غير المرخص.
وفي أحدث حملاتها المعلنة، كشفت الهيئة عن ضبط 1550 مخالفاً لممارسة نشاط نقل الركاب دون الحصول على ترخيص خلال أسبوع واحد في مختلف مناطق السعودية، وطبقت بحقهم الإجراءات النظامية التي شملت حجز المركبات وإيقاع الغرامات المالية وإبعاد غير السعوديين، وفقاً لأحكام نظام النقل البري الجديد على الطرق.
وبحسب الهيئة، توزعت الضبطيات خلال الأسبوع ذاته بين 897 مخالفاً مارسوا الأعمال التحضيرية المتمثلة في «المناداة» لاستقطاب الركاب ونقلهم باستخدام مركباتهم الخاصة دون ترخيص، و653 مخالفاً قاموا فعلياً بنقل الركاب بطرق غير نظامية.
ويعكس هذا التفريق تحولاً مهماً في التعامل التنظيمي مع الظاهرة؛ إذ لا تنتظر الجهات الرقابية بالضرورة اكتمال الرحلة وصعود الراكب إلى السيارة حتى تتدخل، وإنما أصبح مجرد ممارسة الأعمال التحضيرية لاستقطاب الركاب دون ترخيص داخلاً في نطاق المخالفات.
وتشمل هذه الممارسات، بحسب التنظيمات، السلوكيات التي تستهدف استقطاب الركاب بصورة غير نظامية، وهو ما يجعل الوقوف في أماكن تجمع المسافرين أو التجول فيها بغرض دعوتهم إلى استخدام مركبة غير مرخصة محل متابعة ورقابة.
وشدد نظام النقل البري الجديد على منع ممارسة نشاط نقل الركاب دون الحصول على الترخيص النظامي، ووضع عقوبات أكثر تشدداً عند تكرار المخالفات.
بيع السيارة في المزاد العلني
طبقاً لما أعلنته الهيئة، تصل العقوبة عند تكرار ممارسة الأعمال التحضيرية، أو ما يعرف بـ«المناداة»، إلى غرامة مالية قدرها 11 ألف ريال مع حجز المركبة لمدة تصل إلى 25 يوماً.
أما في حال ممارسة نقل الركاب بصورة غير نظامية فعلياً، فتصل العقوبة عند التكرار إلى غرامة قدرها 20 ألف ريال وحجز المركبة لمدة تصل إلى 60 يوماً.
ولا تقف الإجراءات عند الغرامة والحجز في حالات التكرار؛ إذ أشارت الهيئة إلى إمكانية بيع المركبة المخالفة في مزاد علني، إلى جانب إبعاد غير السعودي في حال تكرار المخالفة وفق ما تقضي به الأنظمة. وتؤكد هذه العقوبات أن التعامل مع «الكدادة» لم يعد قائماً على ضبط المخالفة بعد وقوعها فقط، وإنما يستهدف النشاط من مراحله الأولى، بدءاً من محاولة استقطاب الراكب، وصولاً إلى تنفيذ الرحلة بصورة غير مرخصة.
وتحظى المطارات بأهمية خاصة في جهود مكافحة الظاهرة، باعتبارها من أكثر المواقع التي تشهد وصول أعداد كبيرة من المسافرين، وبالتالي وجود طلب مستمر على خدمات النقل.
وسبق للهيئة أن أعلنت عن تكثيف حملاتها في المطارات لضبط المخالفين الذين يمارسون نشاط نقل الركاب دون ترخيص، واتخذت بحق المخالفين إجراءات شملت الغرامات وحجز المركبات، في إطار الحد من ممارسة النشاط بصورة غير نظامية داخل المطارات.
وتستهدف الحملات الحد من الممارسات التي قد تعرض المسافرين لمخاطر التعامل مع ناقلين غير مرخصين، إلى جانب حماية الناقلين النظاميين الذين يعملون وفق اشتراطات وضوابط محددة.
كما أن وجود ناقلين غير مرخصين في مواقع الوصول والمغادرة قد يؤثر في الصورة العامة لمنظومة النقل، خصوصاً أن المطار يُمثّل نقطة الاتصال الأولى لكثير من الزوار والمسافرين بالمدينة.
للركاب والمسافرين.. رأي
المسافرون يرون أن المشكلة الأساسية في «الكدادة» لا تتمثل فقط في مخالفة التنظيم، وإنما في غياب الضمانات التي يفترض أن تصاحب أي خدمة نقل للركاب. ويقول أنس محمد إن ظهور أشخاص يعرضون نقل الركاب مباشرة بعد خروجهم من المطار أو في محيط محطات النقل يُمثّل تجربة غير مريحة للمسافر، خصوصاً لمن يسافر مع عائلته. ويضيف أن الراكب عندما يستخدم وسيلة نقل نظامية أو تطبيقاً معتمداً تكون لديه معلومات عن السائق والمركبة والرحلة، ويمكن الرجوع إليها عند الحاجة، بينما لا تتوافر الضمانات نفسها عند الركوب مع شخص لا يعرفه ولا يعرف شيئاً عن سجله أو مركبته.
ويشير إلى أن المشكلة تظهر بصورة أكبر في حال نسيان أحد الركاب متعلقاته داخل المركبة، أو حدوث خلاف حول الأجرة أو مسار الرحلة، متسائلاً: إلى من يعود الراكب في هذه الحالة وكيف يمكنه إثبات الرحلة إذا لم تكن مسجلة أصلاً؟
من يقود رحلتي؟
مهجة نتو ترى أن وجود هذه الممارسات في محيط المطارات ومحطات النقل يترك انطباعاً غير إيجابي لدى الزائر والمسافر، لأن هذه المواقع تمثل من أوائل الواجهات التي يتعامل معها القادم إلى المدينة.
وتضيف أن الراكب لا يستطيع معرفة مدى سلامة المركبة أو صلاحيتها، ولا يملك معلومات كافية عن الشخص الذي سيقودها، وهو أمر يجعلها لا تشعر بالاطمئنان عندما يتعلق الأمر بركوب أفراد الأسرة مع شخص مجهول.
وترى أن وجود وسائل نقل نظامية في المطارات ومحطات النقل، إلى جانب التطبيقات المتاحة عبر الهواتف، يوفر للمسافر خيارات أكثر أماناً وقابلية للتتبع، ويجعل اللجوء إلى المركبات غير المرخصة خياراً يحمل مخاطر لا تستدعيها الحاجة، خصوصاً بالنسبة للعائلات.
كداد: أبحث عن دخل إضافي!
في الجانب الآخر من الظاهرة، يقول أ. م، أحد ممارسي «الكدادة»، إنه لجأ إلى نقل الركاب بصورة غير نظامية بحثاً عن مصدر دخل إضافي، موضحاً أن مركبته لا تتطابق مع بعض الاشتراطات المطلوبة للتسجيل والعمل من خلال شركات وتطبيقات نقل الركاب المعتمدة: «أعرف أن ما أفعله مخالف، لكن المشكلة أن سيارتي لا تنطبق عليها الاشتراطات المطلوبة للعمل بصورة نظامية، خصوصاً من ناحية عمر المركبة، ولذلك لا أستطيع التسجيل في بعض شركات التوصيل المعتمدة».
ويشير إلى أنه لا ينظر إلى الأمر باعتباره مهنة دائمة، وإنما وسيلة لزيادة دخله في ظل عدم قدرته على إدخال مركبته ضمن المنظومة النظامية.
ويقر بأن التنظيمات وضعت لأسباب تتعلّق بالسلامة وحماية الركاب، لكنه يرى أن الحاجة إلى زيادة الدخل دفعته إلى الاستمرار في هذا النشاط، رغم معرفته بأنه مخالف. ويرى أن السماح بمسارات أكثر مرونة لبعض أصحاب المركبات الذين لا تنطبق عليهم الاشتراطات قد يساعد، من وجهة نظره، على انتقال بعض الممارسين إلى العمل النظامي بدلاً من بقائهم خارج المنظومة.
المطار ومحطات النقل.. واجهة
فيما تكشف شهادة أحد ممارسي «الكدادة» دوافع اقتصادية تقف خلف بعض الحالات، تعكس شهادات الركاب جانباً آخر من القضية يتعلق بالثقة والسلامة والمسؤولية.
فالظاهرة لا تقف عند حدود منافسة سيارات الأجرة أو تطبيقات النقل، وإنما ترتبط بحق الراكب في معرفة هوية من ينقله، وسلامة المركبة، وتوثيق الرحلة، ووجود جهة يمكن الرجوع إليها عند وقوع مشكلة.
ومن هنا تأتي أهمية الحملات الرقابية التي تستهدف «الكدادة» و«المناداة»؛ إذ إن تنظيم النشاط لا يستهدف السائق وحده، بل يحمي الراكب ويضمن عدالة المنافسة أمام مقدمي خدمات النقل المرخصين.
ومع تشديد العقوبات وتوسيع نطاق الضبط ليشمل حتى الأعمال التحضيرية لاستقطاب الركاب، تبدو الرسالة التنظيمية أكثر وضوحاً: نقل الركاب نشاط منظم، وليس خدمة يمكن تقديمها بصورة عشوائية لمن يصادفها في طريقه.
وفي النهاية، يظل المطار ومحطات النقل من أبرز نقاط الانطباع الأولى عن المدينة؛ ولذلك فإن ضمان رحلة آمنة وموثقة للمسافر منذ لحظة خروجه من بوابة الوصول لا يُمثّل مسألة نقل فحسب، بل جزءاً من جودة التجربة الكاملة للزائر والمقيم.
النسيان وفقدان المستلزمات
من أبرز الإشكالات التي يثيرها الركاب توثيق الرحلة. فعند استخدام وسيلة نقل نظامية أو خدمة نقل عبر تطبيق، ترتبط الرحلة عادة ببيانات السائق والمركبة ووقت الرحلة ومسارها، بما يتيح للمستفيد الرجوع إلى الخدمة عند وقوع مشكلة. أما في الرحلات التي تتم بصورة مباشرة مع ناقل غير مرخص، فلا يمتلك الراكب أي بيانات موثقة عن الشخص أو المركبة أو الرحلة.
وفي حال نسيان حقيبة أو هاتف داخل المركبة، أو حدوث خلاف على الأجرة، أو تغيير مسار الرحلة، أو وقوع حادثة مرورية، تصبح قدرة الراكب على إثبات تفاصيل الرحلة أو تحديد الجهة المسؤولة أكثر تعقيداً.
وتزداد حساسية الأمر عندما يتعلق النقل بأفراد الأسرة، إذ لا يبحث الراكب هنا عن وسيلة انتقال فقط، وإنما عن خدمة يستطيع الوثوق بها ومتابعتها والرجوع إليها عند الحاجة.