تتجه الشركات الإيرانية بصورة متزايدة إلى استخدام العملات الرقمية، مثل «بيتكوين» و«تيثر» (USDT)، لتلقي المدفوعات عبر الحدود، في تحول قد يمنح المصدرين الإيرانيين قناة بديلة عن النظام الرسمي للعملات الأجنبية، وفق تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز».
ونقلت الصحيفة عن أشخاص مطلعين على الملف أن (USDT) بات الأصل الرقمي الأكثر استخداماً في هذه المعاملات، فيما قال مسؤول تنفيذي في شركة مرتبطة بالحكومة إن تلقي عائدات الصادرات بالعملات المشفرة أصبح، بحسب وصفه، أمراً «طبيعياً تماماً».
ولم تكشف الصحيفة عن هوية المسؤول، كما لم يرد البنك المركزي الإيراني على طلب للتعليق.
تسهيلات جديدة للمصدرين
وبحسب التقرير، تشمل التغييرات السماح للمصدرين بإعادة الأموال الموجودة في الخارج إلى إيران من خلال منصات العملات الرقمية المحلية.
كما يمكن للشركات تحويل العملات الأجنبية عبر الأسواق المفتوحة، أو استخدام عائدات صادراتها مباشرة لشراء الواردات، بما يقلل اعتمادها على نظام النقد الأجنبي الرسمي الذي تشرف عليه الدولة.
وكان النظام التقليدي يفرض على الشركات إعادة عائدات صادراتها عبر قنوات تخضع لإشراف الحكومة، وغالباً بأسعار صرف أقل من تلك المتاحة في السوق المفتوحة.
ويتيح الاعتماد على العملات الرقمية للمصدرين هامشاً أكبر في إدارة عائداتهم، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام مخاطر قانونية ومالية إضافية، خصوصاً في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.
تحول في التطبيق وليس قانوناً جديداً
ولا يعني ما ورد في التقرير أن إيران أصدرت قانوناً جديداً يجيز استخدام العملات الرقمية كوسيلة تسوية رسمية لجميع المصدرين، فبحسب «فايننشال تايمز»، يعكس التطور تغيراً في آلية تطبيق القواعد والتعامل الرسمي معها، وليس قانوناً منشوراً أو توجيهاً رسمياً معلناً من البنك المركزي الإيراني.
وتكتسب هذه النقطة أهمية كبيرة بالنسبة إلى الشركات، إذ إن تسامح السلطات مع بعض المعاملات لا يوفر بالضرورة غطاءً قانونياً دائماً.
وقد تتغير السياسات، فيما تظل الشركات مطالبة بالامتثال لمتطلبات الإبلاغ والضرائب وقواعد النقد الأجنبي المحلية.
أكثر من 20 ألف جهة مطالبة بإعادة أموالها
وفي الوقت نفسه، تضغط السلطات الإيرانية من أجل إعادة عائدات صادرات محتجزة خارج البلاد.
وبحسب أرقام نقلتها «فايننشال تايمز»، يُعتقد أن أكثر من 20 ألف فرد وشركة لم يعيدوا إلى إيران عائدات تُقدر بنحو 94 مليار يورو.
لكن هذه الأرقام لم يتم التحقق منها بصورة مستقلة من خلال ملف منشور للبنك المركزي الإيراني، ما يجعلها في نطاق البيانات المنسوبة إلى المصادر التي استند إليها التقرير.
نحو 10 مليارات دولار من نشاط العملات المشفرة في 2025
وتكشف بيانات قطاع العملات الرقمية عن حجم ملحوظ للنشاط المرتبط بإيران، وقدرت شركة TRM Labs حجم معاملات العملات المشفرة المرتبطة بإيران بنحو 9.9 مليار دولار خلال عام 2025، وفق تقريرها عن جرائم العملات الرقمية لعام 2026، كما شملت البيانات معاملات واردة وصادرة مرتبطة بخدمات وكيانات إيرانية.
ورغم أن الرقم أقل من نحو 11.4 مليار دولار سجلها القطاع في 2024، ترى TRM أن استمرار هذا الحجم من النشاط يعكس طلباً هيكلياً على العملات الرقمية، وليس مجرد عمليات مضاربة على الأسعار.
وتظل تقديرات النشاط على شبكات البلوك تشين قابلة للتغير، إذ يمكن أن تظهر لاحقاً عناوين ومحافظ جديدة مرتبطة بجهات إيرانية.
لماذا يفضل الإيرانيون USDT؟
يستخدم الإيرانيون العملات الرقمية لأغراض متعددة، من بينها الادخار والتداول والمدفوعات العابرة للحدود، وتوفر USDT، المرتبطة بالدولار الأمريكي، وسيلة للتعرض لقيمة الدولار دون الحاجة إلى امتلاك حساب مصرفي مقوم بالدولار.
كما تحظى شبكة ترون (Tron) باستخدام واسع في تحويلات USDT، بسبب انخفاض تكاليف المعاملات نسبياً.
أما بيتكوين، فتؤدي وظيفة مختلفة؛ إذ يمكن استخدامها كأصل لحفظ القيمة ووسيلة لنقل الأموال خارج القنوات المصرفية التقليدية.
التعدين.. قناة أخرى للعملات الرقمية
ويمثل تعدين بيتكوين قناة أخرى للحضور الإيراني في سوق الأصول الرقمية، وكانت شركة Elliptic قد قدرت في عام 2021 أن إيران كانت مسؤولة عن نحو 4.5% من عمليات تعدين بيتكوين عالمياً، إلا أن هذا الرقم يعود إلى تقدير تاريخي، ولا ينبغي اعتباره حصة مؤكدة لإيران من التعدين العالمي في عام 2026.
كما أن حجم التعاملات المشفرة المقدّر بنحو 10 مليارات دولار سنوياً يظل صغيراً مقارنة بحجم الاقتصاد الإيراني وحاجاته التجارية.
وبالتالي، يمكن للعملات الرقمية أن تحسن قدرة الشركات على الوصول إلى قنوات التسوية المالية، لكنها لا تستطيع في الوقت الحالي أن تحل بالكامل محل العلاقات المصرفية وتمويل التجارة وأسواق النقد الأجنبي واسعة النطاق.
العقوبات الأمريكية تضع التعاملات المشفرة تحت المجهر
ولا يؤدي السماح المحلي باستخدام العملات الرقمية في إيران إلى إلغاء العقوبات الأمريكية.
وتتعامل وزارة الخزانة الأمريكية مع منصات العملات الرقمية الإيرانية الخاضعة للعقوبات باعتبارها مؤسسات مالية إيرانية، ما يعني إمكانية تجميد ممتلكاتها الخاضعة للاختصاص الأمريكي.
كما أن الأشخاص والشركات الأمريكية يخضعون لقيود على التعامل مع منصات العملات المشفرة الإيرانية، ما لم ينطبق استثناء أو ترخيص محدد.
ولا تقتصر المخاطر على الشركات الأمريكية، إذ يمكن أن تطال العقوبات أيضاً مؤسسات مالية وأطرافاً أجنبية في حال ثبت أنها تقدم دعماً جوهرياً لجهات إيرانية مدرجة على قوائم العقوبات أو تسهّل معاملات محظورة لصالحها.
عقوبات على منصات إيرانية كبرى
وفي يونيو الماضي، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على أربع منصات إيرانية للعملات الرقمية، هي Nobitex وWallex وBitpin وRamzinex، واتهمت السلطات الأمريكية هذه المنصات بالعمل في القطاع المالي الإيراني وتسهيل أنشطة مرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات.
ووفق تقديرات TRM Labs، استحوذت المنصات الأربع على نحو 7.7 مليار دولار، أي 78% من حجم معاملات العملات الرقمية المنسوبة إلى إيران خلال 2025.
وكانت Nobitex وحدها قد تعاملت، بحسب التقديرات، مع أكثر من نصف التدفقات الداخلة إلى سوق الأصول الرقمية الإيرانية.
USDT يواجه نقطة ضعف أساسية: إمكانية التجميد
ورغم أن العملات المستقرة يمكن أن توفر وسيلة أسرع للتحويلات العابرة للحدود، فإن USDT تختلف عن بيتكوين من ناحية جوهرية، وهي وجود جهة مُصدرة تستطيع تجميد الرموز الموجودة في محافظ محددة.
وفي أبريل، جمدت شركة «تيثر» نحو 344 مليون دولار من USDT موزعة على عنوانين على شبكة ترون، بعدما ربطت السلطات الأمريكية الأموال بشبكات إيرانية تابعة للدولة والجيش.
وأظهرت هذه الخطوة أن استخدام البلوك تشين لا يعني تلقائياً أن الأموال أصبحت بمنأى عن تطبيق العقوبات، فالشركات المصدرة للعملات المستقرة، ومنصات التداول المركزية، والوسطاء المتوافقون مع الأنظمة التنظيمية، يمكنهم تقييد عناوين معينة أو تجميد أصول عندما تحدد السلطات معاملات مرتبطة بأنشطة محظورة.
العملات الرقمية تمنح إيران منفذاً
ومع استمرار الضغوط الأمريكية على الشبكات المالية المرتبطة بإيران، يزداد اعتماد طهران على القنوات الرقمية باعتبارها وسيلة إضافية لتسهيل التجارة ونقل القيمة، لكن هذه القنوات لا توفر حصانة كاملة من العقوبات.
فالمعاملات الرقمية تترك سجلاً دائماً على شبكات البلوك تشين، ويمكن لشركات التحليل والجهات الحكومية تتبع العديد من التدفقات المالية، بينما يمكن للمنصات المركزية ومصدري العملات المستقرة اتخاذ إجراءات ضد المحافظ المرتبطة بجهات خاضعة للعقوبات.
ومن ثم، فإن التحول الإيراني نحو العملات الرقمية يبدو أقرب إلى محاولة لتوسيع خيارات التسوية المالية وتقليل الاعتماد على النظام المصرفي التقليدي، وليس إنشاء نظام مالي مستقل بالكامل عن العقوبات.
الخطوة القادمة بيد البنك المركزي الإيراني
ويبقى التطور الأكثر أهمية مرتبطاً بما إذا كان البنك المركزي الإيراني سيقدم اعترافاً رسمياً بالتغييرات المبلغ عنها، أو ينشر قواعد واضحة لتسوية المدفوعات الرقمية، أو يمنح تراخيص محددة للقنوات التي يمكن للمصدرين استخدامها.
وحتى ذلك الحين، فإن الحديث عن أن مدفوعات العملات المشفرة أصبحت «طبيعية تماماً» في إيران يستند أساساً إلى تصريحات مصادر لم تُكشف هوياتها وشهادات من داخل القطاع، وليس إلى قرار رسمي منشور.
وبالنسبة إلى الشركات الأجنبية ومنصات التداول ومقدمي خدمات الدفع، تظل المخاطر منفصلة عن الموقف الإيراني؛ إذ يتعين على كل طرف تقييم تعرضه للعقوبات الأمريكية والأوروبية والقوانين المحلية بشكل مستقل، فالقبول الإيراني للعملات الرقمية لا يحمي بالضرورة الطرف الأجنبي من تجميد الأصول أو العقوبات الثانوية أو إجراءات إنفاذ القانون في ولاية قضائية أخرى.