في صنعاء، تقاس الأيام ببنادق المليشيا، والناس تعيش واقعاً فجّاً يقترب من الهذيان. هناك، حيث يُعتقل موظف الإغاثة؛ لأنه يحمل كيساً من الدقيق، وتُغلق مكاتب مبعوثي الأمم المتحدة بالشمع الأحمر، وتُصادر الأجهزة، ويُطرد المبعوثون، تبدو المنظمة الدولية مثل شخصية منسية.
تكتفي أروقة مجلس الأمن بالهمس، وترتجف الأصابع عند كتابة رسائل القلق الصامت. فتصاغ بيانات القلق العميق بموازين دقيقة؛ لئلا تخدش حياء الخاطفين، الذين يطردون سفراء السلام، ويسجنون بناة الإنسانية. هي المفارقة، حيث يصبح العبث هو القانون، وتتحوّل المنظمة الموكلة بحماية المستضعفين إلى شاهد زور يلوذ بالصمت كلما أمعنت المليشيا في التنكيل بموظفيها.
يمتد هذا الصمت لأشهر وسنوات، تُنتهك خلالها المليشيا كل الخطوط الحمراء، وتهدّد الملاحة الدولية، وتجوّع المدن. الإحصاءات الرسمية قالت إن أكثر من 73 موظفاً أممياً احتُجزوا تعسفياً. توفي بعضهم تحت التعذيب في سجون صنعاء، ومئات العاملين في المنظمات الإنسانية والبعثات الدبلوماسية أُخفوا قسرياً منذ أعوام. بينما تكتفي أروقة الأمم المتحدة بإحصاء الضحايا، وتدوين الخروقات في تقارير تُحفظ في أدراج النسيان.
في هذا المشهد العبثي، لا تبدو الأمم المتحدة سوى شبح دبلوماسي يتلقى الصفعات تلو الصفعات من مليشيا الحوثي، ويمارس صمتاً طويلاً ومثيراً للريبة. منظمة نائمة لا تُسمع لها جلبة إلا في توقيت واحد يثير السخرية المريرة.
لكن هذا النوم الدبلوماسي الطويل ليس سوى تواطؤ وظيفي يستيقظ فجأة وفق توقيت سياسي مشبوه. يتذكر اليمنيون جيداً عملية الحديدة الواسعة عام 2018. كانت القوات الشرعية، مسنودة بالتحالف، على بعد كيلومترات قليلة من الميناء الاستراتيجي. تهاوت خطوط دفاع المليشيا كقصور من الرمل، وبدا أن نهاية هذا الكابوس باتت وشيكة. وفجأة، استيقظت الأمم المتحدة منتفضة من سباتها الطويل، كمن أصابه مس كهربائي، وتحرّكت الماكينة الأممية بسرعة البرق. طار المبعوثون، وعُقدت الجلسات الطارئة، ولوّح الغرب بالابتزاز السياسي، واجتمعت العواصم، ووُلد اتفاق ستوكهولم على عجل. جرى تقديمه في صيغة خطة للسلام وإنقاذ لليمن، وحقيقته طوق نجاة دولي أُلقي للمليشيا؛ لكي ينقذها من هزيمة محققة، ويبقي شريان الحديدة بأيديها.
عادت الأمم المتحدة إلى صمتها. لم تتحرّك لتنقذ تعز من حصار السنوات. وبين الحديدة وتعز تتجلّى الصورة؛ المنظمة الدولية، التي تغض الطرف عن حصار المدن وتجويع الملايين واختطاف موظفيها، تمتلك مجسات حساسة تستيقظ فوراً عندما يضيق الخناق العسكري على المليشيا. فصرنا أمام مشهد صريح. معادلة رياضية عكسية، يفهمها أصغر طفل في شوارع تعز والحديدة، وتحوّلت إلى قانون يمني ثابت: كلما استيقظت الأمم المتحدة من سباتها وعلا صراخها الإنساني، علمنا يقيناً أن المليشيا في مأزق عسكري.