الهواتف ذكية، المنازل ذكية، المدن ذكية، المصانع ذكية، المدارس ذكية، المشافي ذكية، الحكومات ذكية، الاقتصاد ذكي، السيارات ذكية، الزراعة ذكية، السلاح ذكي، وأخيراً ذكاء اصطناعي يريد أن يكون حاضراً ومهيمناً على كل شيء. فهل وصفنا الأشياء بالذكية يعني أن ما عداها غبي؟ وهل كل ما تحتاجه البشرية هو الذكاء فقط؟ وهل يكفي الذكاء ليصل بالبشرية إلى بر الأمان؟ وإذا اختفى كل من نصفهم بالأغبياء، فبمن نقارن الأذكياء؟ وهل سيتم ابتكار وتوليد أغبياء اصطناعيين حينئذ لتتم مقارنتهم بالأذكياء الاصطناعيين؟
صحيح أننا بالمقارنة نعرف السريع سريعاً؛ لأن هناك من هو أبطأ منه، والطويل طويلاً؛ لأن هناك من هو أقصر منه، والمتفوق متفوقاً؛ لأن هناك من أداؤه أقل من أداء الآخرين.
فهل الذكاء أيضاً مفهوم نسبي؟ في الحقيقة، أن كثيراً مما نسميه غباءً لا علاقة له بالغباء على الإطلاق، لكنها اختلاف القدرات والمعرفة أو الخبرة. والدليل أن كثيراً مما تعتبره الأجيال السابقة ذكاءً، ينظر له اليوم بأنه غباء. وأن بعضاً مما نعدّه اليوم ذكاءً، ربما تنظر له الأجيال القادمة على أنه غباء متجذّر.
لا يوجد إنسان ذكي مطلق الذكاء في كل شيء، ولا غبي مطلق الغباء في كل شيء. وإلا لما برع بعضنا في الرياضيات، وبرع آخرون في اللغة العربية، وغيرهم في الفنون التشكيلية، وآخرون في الرياضة البدنية. يوجد من يعرف هنا ويجهل هناك، يُبدع في موقف ويتعثّر في آخر، يُحسن الاختيار والقرار اليوم ويسيء الاختيار والقرار في موقف آخر. كما لا يمكن أن يكون الغباء هوية دائمة لشخص أو جماعة.
البشرية اليوم بأمس الحاجة لما يوصف بـ«غباء» لكي تبقى بشرية. فصحيح أننا نحتفي بالطالب الأول في المدرسة والأول في الحياة، لكننا نادراً ما نسأل: من هو الغبي؟ فالبطيء ليس غبياً، وقليل المعرفة ليس غبياً، والمخطئ ليس غبياً، وصاحب القرار السيئ ليس غبياً، وليس غبياً من ينظر للأمور من زاوية مختلفة.
لكن الذكاء الاصطناعي، على ما يبدو، قلب الطاولة على الجميع! فهل دخلت الآلة المنافسة الشرسة مع القدرات البشرية؟ وهل أصبح أسرع من الطبيب في قراءة ملايين السجلات، وأسرع من المحاسب في الحسابات المالية، وأوسع من الباحث في استرجاع المعرفة، وأقدر من الإنسان على معالجة كميات هائلة من البيانات؟ سيصبح العالم أكثر كفاءة، لكن هل يكون العالم في هذه الحالة أكثر إنسانية؟ أي (أكثر غباءً) بالمقارنة مع الآلة؟ وإذا قبلنا بهذا المنطق، فهل نكون اخترعنا معياراً سينتهي بإدانة الإنسان ومن ثم إبادته؟
ماذا سيحدث للعفوية، مثلاً، والمغامرة والصدفة والمحاولات غير المحسوبة والفكرة العادية؟ وماذا عن القرار الذي يتخذه الإنسان لأنه (يشعر) بأنه صحيح، رغم أن الأرقام لا تؤيده؟ إن كثيراً مما نسميه غباءً ليس إلا المساحة المجهولة من الإنسان. كما أننا إذا قضينا على كل ما لا تستطيع الخوارزميات تبريره، فقد نكتشف أننا قضينا على كثير من الحرية البشرية، فقد تحتاج البشرية لتشريع يكفل لها الحق في الخطأ، وحق الإنسان في اختيارات أقل كفاءة، وحقه في أن يغيّر رأيه، وحق الإنسان في أن يجرب ويفشل، وأن يرفض توصية الخوارزميات، وأن يسلك طريقاً أطول؛ لأنه يرتاح له. إنها معركة الإنسان للاحتفاظ بحقه في ألا يكون آلة مثالية. الذكاء يستطيع مضاعفة القدرة، لكن الحكمة التي يفتقر إليها الذكاء الاصطناعي هي التي تحدد أين ومتى ولماذا تستخدم هذه القدرة.
نحن نتحدّث كثيراً عن الذكاء الاصطناعي، لكن ربما علينا أن نبدأ الحديث أيضاً عن الغباء الاصطناعي. فليس المقصود أن الآلة أصبحت غبية، وإنما أن الإنسان قد يستخدم آلة شديدة الذكاء بطريقة شديدة الغباء. وبهذا يصبح الغباء قضية إدارة وحوكمة، لا مجرد نكتة عن شخص قليل الفهم.
ماذا لو تم القضاء على آخر غبي؟ لنفترض أن البشرية نجحت أخيراً في القضاء على آخر «الأغبياء»، ولم يعد هناك شخص «غبي». فأصبح الجميع يفكر بطريقة «نموذجية». الجميع يتخذ القرار «الأمثل». الجميع يستشير الآلة قبل التصرف. الجميع يتجنّب المخاطر غير المحسوبة. فمن يا ترى سيطرح السؤال الساذج الذي لم يخطر ببال الخبراء؟ من سيشكّك في الإجماع؟ من سيحاول أن يجرب الفكرة التي تقول النماذج إنها ستفشل؟ من سيخاطر أو يغامر؟ من سيخرج عن الطريق الذي رسمته الخوارزميات؟ ومن سيكتشف أن الخوارزميات نفسها كانت مخطئة؟ ربما يكون آخر غبي على الأرض آخر حارس للحرية الإنسانية.
نحن لا نحتاج إلى تمجيد الغباء، بل إلى إنقاذ النقص. فالدفاع عن الغباء لا يعني الدفاع عن الجهل، ولا عن التخلف، ولا عن القرارات الحمقاء، ولا عن رفض العلم. إنه دفاع عن شيء أهم وأعمق. إنه دفاع عن حق الإنسان في أن يكون ناقصاً.