ماذا لو كانت المدرسة كما نعرفها اليوم، واحدة من أكثر المؤسسات نجاحاً في ترويض الإنسان على الامتثال؟ قد تبدو العبارة مستفزة، وربما يرفضها كثيرون قبل أن يكملوا قراءة المقال، لكن لنتأمل المشهد الذي نعتبره طبيعياً: طفل في السادسة من عمره يدخل مبنى المدرسة، يُمنح مقعداً ورقماً وجدولاً، ويُطلب منه أن يجلس لساعات، في مكان محدد، وينظر إلى الأمام، ويصمت حين يتحدث الآخرون، ويتحدث حين يُسمح له، ويحفظ ما تقرره المنظومة، ثم يجيب بالطريقة التي يعتبرها الاختبار صحيحة، ونكرر ذلك لاثني عشر عاماً أو أكثر، ثم نخرجه إلى الحياة ونطالبه بما يتطلبه واقع الحياة اليوم دون الدخول في التفاصيل: أن يكون مبدعاً، وأن يكون مختلفاً، يفكّر خارج الصندوق، بينما قد أمضينا سنوات في تعليمه كيف يعيش داخله.

المشكلة ليست في المقعد الخشبي، ولا في وجود المعلم، ولا حتى في الانضباط والالتزام، بل في فلسفة أعمق: أن منظومات التعليم في أغلب دول العالم تعاملت مع العقول المختلفة وكأنها مواد خام ينبغي صبّها في القالب نفسه، فنحن لا نكتفي بتعليم الطفل المعلومات؛ نحن نعلّمه بطريقة غير معلنة ما الذي يستحق أن يُسمى معرفة، وما الذي يستحق أن يُسمى نجاحاً، وما الذي ينبغي أن ينتبه إليه، ومتى يتكلم، ومتى يصمت، ثم نضع الجميع أمام امتحان واحد، ونمنح الدرجات، ونرتبهم من «الأفضل» إلى «الأضعف».

لكن ماذا لو كان الطفل الذي حصل على درجة متدنية في اختبار الرياضيات هو نفسه الذي يستطيع بعد عشرين عاماً أن يصمّم مبنى مذهلاً؟.. وماذا لو كان الطفل الذي لم يحتمل الجلوس ساكناً هو صاحب عقل لا يعمل إلا بالحركة والتجربة؟.. وماذا لو كان الذي ظل يرسم في هامش الدفتر، بينما كان المعلم يشرح، لم يكن شارداً... بل كان يكتشف عالمه الخاص؟ ربما لا تكون المشكلة أن بعض الأطفال يفشلون في المدرسة، ربما المشكلة أن المدرسة تفشل في اكتشاف بعض الأطفال.

نحن نعامل الموهبة كترف، حصة فن هنا، نشاط رياضي هناك، ثم نعود إلى «المواد الأساسية»، وكأن الخيال ليس أساسياً، وكأن القدرة على الابتكار ليست أساسية، وكأن صناعة الأفكار أقل قيمة من حفظها.

أنا لا أحلم بمدرسة أكثر راحة للطفل، بل بمدرسة أكثر احتراماً لعقله، مدرسة لا تسأل الطفل أولاً: «كم تستطيع أن تحفظ؟»، وإنما: «ما الذي يجعلك تشتعل؟» مدرسة لا تحاول اكتشاف نقطة ضعف الطفل لتصنيفها، بل تبحث عن نقطة قوته لتبني عليها.

قد يتعلم طفل الفيزياء من خلال صناعة آلة، والرياضيات من خلال مشروع، واللغة من خلال الكتابة، والتاريخ من خلال النقاش، والفن من خلال التجربة، وقد لا يكون هناك «صف» بالمعنى الذي نعرفه أصلاً.

المعلم هنا لا يكون موظفاً لتسليم المنهج، بل صياداً للموهبة، والسؤال الأكثر خطورة ليس: «كيف نطوّر التعليم؟»، بل: هل نملك الشجاعة لنسأل إن كان النموذج الذي نريد تطويره هو المشكلة أصلاً؟

لأن النظام الذي يقيس جميع العقول بالمسطرة نفسها سيبدو عادلاً، لكنه قد يكون عادلاً فقط في إنتاج الاختلافات التي يستطيع قياسها، أما العبقرية، والخيال، والحدس، والفضول، والقدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، فغالباً تبدأ من منطقة لا توجد في ورقة الامتحان، وربما لهذا السبب لا ينبغي أن يكون هدف التعليم أن يصنع أطفالاً يعرفون الإجابات الصحيحة. بل أن يحافظ على طفل يجرؤ على قول: «لكن... ماذا لو كانت الإجابة نفسها خاطئة؟»

هناك يبدأ التفكير، وهناك ربما يبدأ الإنسان الحقيقي بصناعة حاضره ومستقبله.