منذ أن وعيتُ على هذه الدنيا وأنا ملازمٌ لوالدي عند ذهابه لصلاة الجمعة حتى وفاته -رحمه الله-، وفي بعض الجُمع ونحن في طريق العودة إلى المنزل.. كان يقول لي بتأثر: «خطبة اليوم كأنها كُتبت لي، أو كأنني المعنيّ بها وحدي!»، على الرغم من أن الخطبة قد تناولت موضوعاً تعبدياً مألوفاً يمارسه غالبية الناس بانتظام، كصلة الرحم أو فضل البذل. كنت أعتقد حينها أن كلمات الخطيب لامست وتراً في وجدانه، أو نبّهت إلى تقصير ما في داخله.
وفي الجمعة الماضية، استحضرتُ حديث والدي واستشعرتُ عمق أثره! وذلك بعد أن أنصتُّ لخطبة الشيخ الدكتور عبدالرحمن اللويحق إمام وخطيب جامع الشيخ صالح الراجحي، التي تناولت فضل الذكر عقب الصلاة المكتوبة والورد اليومي. وجدتها من أبلغ وأعمق ما سمعت.. رغم أنها الأذكار ذاتها التي أرددها كل يوم وأتحصن بها منذ صباي، لكن السر يكمن في الإنصات الواعي واستيعاب المعاني بلسان عربي مبين.
حينها خطر في بالي تساؤل ملحّ: لِمَ يُحرم المسلم الأعجمي الذي يصلي أمامي من هذه النعمة؟ وهو الذي بكّر بالقدوم إلى المسجد، وجلس قبالة الخطيب بقلبٍ معلّقٍ بالمنبر، لكنه لا يعي ما يُقال لعدم إلمامه بالعربية!
لقد دعت الشريعة الغراء إلى الإنصات للخطيب للتدبّر والتفكر بما يُطرح، وأكّد ذلك قول المصطفى ﷺ: «من مسَّ الحصى فقد لغا، ومن لغا فلا جُمعة له»، تعظيماً لأثر هذه الشعيرة وبركتها المكانية والزمانية.
من هنا.. أرى أن ترجمة خطبة الجمعة تعيد قيمة الإنصات للمصلي غير الناطق بالعربية، فبدلاً من أن يمضي وقته أثناء الخطبة سارح الذهن انتظاراً للإقامة، فما المانع من أن يستمع إليها مترجمةً عبر هاتفه المحمول؟ فالترجمة هنا ليست ترفاً تقنياً، بل أداة جوهرية لربط آلاف المصلين بروح هذه الفريضة.
ومن جانبٍ آخر، حين يستمع المصلي إلى الخطبة بلغته الأم داخل الحي الذي يقطنه، يشعر باندماجه في نسيج المجتمع وأنه جزء لا يتجزأ منه، وأن من اعتلى المنبر يخاطبه دون حاجز لغوي يُشعره بالتهميش.
وفضلاً عن ذلك،، فإن توثيق الخطبة وترجمتها لا يقتصران على لحظة إلقائها، بل يؤسسان لمحتوىً مستدام يتعدى أثره محيط المسجد! كأن يراجع المصلي ما تناولته الخطبة من مسائل فقهية وتربوية لترسيخها ومدارستها مع غيره، أو يقوم بنقل تلك النفحة الإيمانية الأسبوعية إلى أهل بيته ومن حوله.
كما أن استثمار المنصات الرقمية عبر تجزئة الخطب المترجمة إلى مقاطع مرئية أو نصية مركزة ومخرجة بعناية سيمكّن رسالة المنبر من تجاوز حدود المكان وربما يصل إلى آلاف المسلمين حول العالم!! نعم.. الأمر اليوم أصبح ميسوراً في ظل الانتشار الرقمي الواسع.
ومن هذا المنطلق، نأمل من وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد العناية بمثل هذه الحلول بل الفرص التقنية الحديثة لتوظيفها على النحو الأمثل.. وتكون حجةً لها في الدنيا والآخرة.
إن تطبيقات البث الصوتي المباشر والترجمة الفورية باتت متاحة وميسورة التكلفة، وسماع المصلي للترجمة عبر سماعة هاتفه بما لا يُحدث أي تشويش لا يختلف عن تقنيات الترجمة المعتمدة في المؤتمرات الكبرى المتعددة الألسن، ما لم يكن هناك مانع شرعي يندرج بحكم «مس الحصى»، وحتى إن وُجد محظور في الاستماع الآني، فالخيار البديل والأقل كلفة هو وضع رمز استجابة سريعة (قارئ) عند مخارج المسجد بعد انقضاء الصلاة، يتيح للمصلي تحميل نص الخطبة مترجماً ومسجلاً باللغات الأكثر شيوعاً بين الجاليات (كالأردية، والإنجليزية، والإندونيسية، وغيرها).
لا يخفى على كل ذي بصيرة أن منبر الجمعة كان ولا يزال المنصة الاتصالية الأولى في الإسلام، ورسالته سلسة ميسرة، وحين يزال عائق اللغة فإننا لا نترجم كلمات الخطيب فحسب، بل نترجم معاني الأخوة ومفهوم الجسد الواحد، ونرسخ تعاليم ديننا السمحة بصورة تستوعب الجميع بمختلف ألسنتهم وألوانهم.
آخر سطر:
تأملوا في حجم الأثر الإيماني الغائب عن جموع المصلين من غير الناطقين بالعربية! ممن عاشوا بيننا ردحاً من الزمن.. كم فاتهم هديُ الخطبة ومقصدها رغم أنهم نالوا أجر شهود الصلاة بإذن الله.