مؤتمر الأمن والتاريخ ليس في حاجة إلى القول، بل في حاجة إلى العمل، وعمل دؤوب لتصفية الكثير من المرويات السابقة واللاحقة، فنحن عقدة السبحة أو الشاهد للسبحة (وهي الخرزة الكبيرة التي تجمع طرفي خيط السبحة، وتدل على بداية ونهاية دورة التسبيح)، إذاً نحن مئذنة السبحة، وهذا القول ليس له علاقة بالتفخيم، بل هو حقيقة تاريخية تثبتها سجلات التاريخ والأساطير. ولو فردنا القول إن آدم أبو البشرية دُفن في الكعبة، وأمنا حواء دُفنت في جدة، ربما يقول قائلٌ منكم: هذه أساطير الأولين، وأقول إن أي سردية أو أسطورة هي قابلة للنفي، وكذلك للتصديق، وأي أسطورة يتناقلها الناس تعتبر من الحكايات اللامنتهية في حكاياتها، وكل حكاية أو أسطورة تذكر أين تواجدت، ويكفي القول: إن هذه الحكاية أو الأسطورة تتواجد في المملكة العربية السعودية.
وسردية تواجد الكعبة المشرّفة، التي تتوجه إليها الأعناق والرقاب، هي أول بيت وضع للناس (تكون أم الحكايات).. وكل السرديات التي تُذكر، تذكر المكان عند استعادتها شفوياً أو كتابياً، فعلى سبيل الأمثلة: إن جاء ذكر مكة، أو جبل الرحمة (عرفات)، أو قبر أمنا حواء، أو قصة هدم الكعبة، أو مقام أبينا إبراهيم، أو قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، أو حجر إسماعيل، أو الأخدود، أو الحجر (مدائن صالح)، أو الفاو، أو المصمك، أو جدة التاريخية، أو الدرعية (حي طريف)، أو أسواق العرب التاريخية.. عشرات المواقع الموغلة في الزمن، إن ذُكرت يقال إنها متواجدة في المملكة العربية السعودية. وإيماناً نحن في أول السرديات ووسطها، وسنكون في آخرها من خلال قصة الدابة، القضية ليست تفاخُراً، وإنما تأكيد على أن التاريخ كتبنا عبر العصور، وتلك سرديات الأمكنة لدينا، وكذلك الأمن جاء متزامناً في نقاط زمنية موغلة، فقد دعا لنا أبونا إبراهيم: «وإذ قال إبراهيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ من الثمرات» - البقرة.
وأسكن الله الأمن في بلادنا عبر سورة قرآنية (إيلاف)، ولدينا قبلة المسلمين، وموقع الحج، فعلاً نحن ورثة كل العصور.
ولن أبالغ إذا قلت إن الكثيرين - الآن- يتمنون لو أن الملك عبدالعزيز مد نفوذه ليكون خيمة ينضوون تحت ظلها، وما شاء الله أن يكون كان، ويصبح أوجب الواجبات على أبناء هذه الدولة (قيادة وشعباً) المحافظة على هذه النعمة، (نعمة تواجدك في كل العصور، ونعمة الأمان الذي سخره الله لهذه البلاد).. وهبنا الله أمانته، والأمانة كبيرة، والأمر جلل، واليقظة - على بلادنا - تستوجب زرعها في كل منّا (الطفل، الكهل، الشاب، الذكر، الأنثى)، وتصبح جميع الوزارات والمؤسسات والأفراد تمتاز باليقظة، فالتاريخ لا ينام، وكل سردية تستوجب الإلمام بها، والنظر إليها كواجب وطني مهمتنا فرز وتنظيف - تلك السرديات- مما علق بها من دخن.
للمرة الألف نحن مستهدفون من قبل دولٍ وأفرادٍ، ومللٍ، وأحزابٍ، بلادنا نعمة عظيمة تستوجب علينا جميعاً اليقظة لتاريخها وأمنها.
وما نعيشه الآن نعرفه جيداً، وما هذه المقالات إلا تذكيرٌ بالأعمق في تواجدنا، والأعمق في مستقبلنا.