في غضون ساعات قليلة، تحوّلت الأجواء الهادئة فوق جنوب شرق آسيا إلى ساحة استنفار جوي غير مسبوق. بعدما هاجم السماء تسونامي من الرماد البركاني الأسود، قذفه بركان «أناك كراكاتاو» الثائر منذ يوم الجمعة الماضي، ونجح في فرض «حظر تجول» قسري على حركة الطيران الإندونيسية، ليقطع شريان الحياة الجوي عن واحدة من أكثر الوجهات الحيوية في العالم، ملقياً بظلاله الكثيفة على مئات الرحلات الدولية، وفي مقدمتها الرحلات السعودية والعربية.

وانطلقت شرارة الأزمة بإنذار أحمر عاجل أطلقته هيئة الأرصاد والجيوفيزياء الإندونيسية، مفاده أن الرماد البركاني الزجاجي يزحف بسرعة الرياح نحو الممرات الجوية. ولم تتأخر وزارة النقل الإندونيسية في اتخاذ القرار الأصعب، إذ عمدت إلى تعليق العمليات فوراً في 6 مطارات رئيسية.

وعلى رأس القائمة جاء مطار سوكارنو هاتا الدولي في العاصمة جاكرتا (الذي يعتبر الرئة الجوية للبلاد) ومعه مطار حليم بردانكوسوما، ومطار باندونغ، ولامبونغ. هذا الإغلاق المفاجئ شلّ حركة أكثر من 300 رحلة جوية، وترك ما يزيد على 22000 مسافر في حالة ذهول داخل صالات الانتظار، يراقبون شاشات المغادرة والوصول وهي تتلون باللون الأحمر (Cancelled/Diverted).

ماذا حدث لرحلة «الخطوط السعودية»؟

تسبب الإغلاق المفاجئ للأجواء في إلغاء وتأجيل وتحويل مسار عدد من الرحلات المرتبطة بالمنطقة، حيث أظهرت بيانات الملاحة الجوية الحية إلغاء رحلة الرمز المشترك SV6119 القادمة من جاكرتا إلى جدة، وهي رحلة تسويقية تابعة للخطوط السعودية ومسجل عليها مسافرون عرب لكنها تُشغل فعلياً بطائرة وطاقم تابع لشركة «جارودا إندونيسيا» بموجب تحالف «سكاي تيم» التجاري، إلى جانب إلغاء رحلات ربط داخلية للمسافرين العرب تحمل رموزاً تابعة للخطوط السعودية على ذات الناقل الإندونيسي، بينما تأثرت مسارات دولية أخرى لشركات طيران عربية كبرى، وسط استنفار كامل من السفارات العربية لمتابعة سلامة مواطنيها وتسهيل شؤون العالقين منهم في مطارات دول الجوار.

ولم يتوقف التأثير عند هذه الرحلة، بل تم إلغاء وتأجيل العديد من الرحلات المشتركة (Codeshare) التي تجمع خطوط عربية بالناقل الإندونيسي «جارودا إندونيسيا»، خاصة تلك القادمة من بالي، وسورابايا، وسنغافورة باتجاه جاكرتا، مما تسبب في تعديل اضطراري لخطط سفر مئات السياح الخليجيين والعرب.

الرحلات السعودية لم تكن وحدها في هذه المواجهة الجوية، فشركات طيران عربية كبرى وجدت نفسها أمام «جدار الرماد»:

  • طيران الإمارات والخطوط القطرية والاتحاد للطيران: اضطرت هذه الخطوط إلى إعادة جدولة رحلاتها المتجهة إلى جاكرتا، أو تحويل مسارها إلى مطارات بديلة آمنة لم تتأثر بالرماد (مثل مطاري كيرتاغاتي وغواندا).
  • معاناة ترانزيت العرب: مئات المسافرين العرب القادمين من دبي، والدوحة، وكوالالمبور باتجاه العاصمة الإندونيسية وجدوا أنفسهم عالقين في مطارات دول الجوار، بانتظار زوال الغبار البركاني الذي يحجب الرؤية ويهدد سلامة محركات الطائرات.

وأكدت السلطات الإندونيسية أن الإغلاق «مؤقت» ومرتبط بحركة الرياح وكثافة انبعاثات بركان «أناك كراكاتاو». وفي هذه الأثناء، دعت سفارات عربية في جاكرتا، مواطنيها إلى توخي الحذر، ومتابعة حسابات شركات الطيران الرسمية لتعديل الحجوزات أو طلب التعويضات، والابتعاد تماماً عن محيط المناطق البركانية.

ويبقى السؤال الأبرز حالياً: هل ستنجح فرق الأرصاد الجوية في فتح «ممرات آمنة» خلال الساعات القادمة؟ أم أن «أناك كراكاتاو» سيواصل فرض كلمته على أجواء جنوب شرق آسيا؟