تتصرف إيران وكأنها تعيش وحدها في هذا العالم؛ بل تعتقد أنها تهيمن عليه، وليس فيه من هو أكبر منها. ولا ندري ما إذا كانت تعلم أنها تتصرف كأن كل مجموعة في قيادتها جزيرة منفصلة قائمة بذاتها. فهي تتحدث بأكثر من صوت: حين يتعلق الأمر بالسلام ووقف الحرب هناك مجموعة منها تشجع السلام، وتدرك ألّا مخرج سوى «مذكرة التفاهم» بينها وبين الولايات المتحدة. وهناك أصوات ترفض السلام ومذكرة التفاهم، وتعتقد بأن القوة تواجَه بالقوة فحسب، وبأنها قادرة على التغلب على أقوى دولة في العالم، ومعها الدول المتحالفة معها. والغالبية العظمى من الشارع الإيراني، تتفرج وهي صامتة على ما تشهده إيران من تدمير، وسحق، وحصار، وعقوبات لا مثيل لها في تاريخ الأمم والشعوب.
وقد وضع الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني الأمر بصيغة لا تحتمل التأويل: إما أن الشعب يريد الحرب، أو أنه لا يريد الحرب؛ فإذا تم استفتاء الإيرانيين على الأمر اتضحت الصورة. فالإيرانيون لا يريدون حرباً تستمر عقوداً، تقضي على الأخضر واليابس والشارع الإيراني يتفرج، عاجزاً عن أن يفعل شيئاً.
لكن عُصبة الحرس الثوري الإيراني، لن تسمح بشيء غير استمرار الحرب، وإطلاق الصواريخ والمسيرات. لا يهمه إن أصابت أهدافها أو أخطأتها... المهم أن يكون هناك إطلاق للصواريخ والمسيرات. وهي بالفعل أثبتت فشلها الذريع في إصابة أهدافها؛ بل إن بعضها لا يصيب أي هدف على الإطلاق.
بهذه الطريقة ستسحب إيران من مخزونها الإستراتيجي من الصواريخ والمسيرات. وسيأتي يوم تعجز فيه عن حماية برنامجها النووي، الذي تضرر أصلاً من الحروب التي خاضتها إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. أما المليشيات العميلة لطهران، فهي تفقد كل يوم الكثير من قوتها. ففي اليمن ضعفت مليشيا الحوثي كثيراً. وفي لبنان يكاد حزب الله أن يصبح عاجزاً عن الرد على الاحتلال الإسرائيلي. أما في العراق فقد أضحى الخوف والتردد سمة ملازمة للمليشيات الموالية لإيران، من شدة ما تعرضت له من ضرب، ومن وطأة المساعي الرامية لحصر السلاح بيد الدولة العراقية.
هكذا تخسر إيران كل يوم مخزونها الإستراتيجي من الأسلحة، ومن قوة مليشياتها العميلة. وفي الداخل الإيراني بقي شعب عاجز عن فعل أي شيء يضمن له تمرير صوت العقل، والرغبة الحقيقية في السلام، وبناء علاقات متوازنة مع دول الجوار الإيراني. ومع استمرار الحصار البحري والعقوبات التي تساوي بين إيران والدول التي تتعامل معها، لن يصبح النداء إلى استمرار الحرب شيئاً سوى محاربة طواحين الهواء.