لماذا التقاعد المبكر؟

تبني بلادنا الكفاءات الوطنية وتستثمرها، وتنفق المليارات على التعليم والتدريب والابتعاث؛ لإيمانها بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية وأساس التنمية المستدامة.

هذا الاستثمار في الكفاءات الوطنية، قد يتراجع عندما لا تجد المتميِّزة منها بيئات عمل تحسن توظيف خبراتها، وتمكنها من الإسهام في التطوير وصناعة القرار، فيصبح التقاعد المبكر خياراً يلجأ إليه البعض في قمة عطائه.

فالكفاءة المتميزة لا يصنعها المسمى الوظيفي، بل ما يملكه الإنسان من علم وخبرة ومهارة وقدرة على الإنجاز وصناعة الأثر، ويدخل في ذلك من ابتعثته جهة عمله للحصول على مؤهَّل علمي أعلى، فيعود ولا يجد فرصة حقيقية لتوظيف تخصصه وما اكتسبه من علم وخبرة.

إن خسارة أي جهة عامة أو خاصة، لا تتمثل في مغادرة موظف فحسب، بل في فقدان خبرات ومعارف وكفاءات أسهمت في بناء العمل وتطويره، فقرار التقاعد المبكر للموظف صاحب الكفاءة كان بالإمكان تجنبه إذا وجد بيئة عمل تحسن توظيفه، وبخروجه بحد ذاته فقد لخبرات مؤسسية متراكمة يصعب تعويضها.

من هنا؛ تبرز الحاجة إلى سياسات مؤسسية أكثر فاعلية، تقوم على مواءمة المؤهلات مع طبيعة الأعمال، وتوفير مسارات مهنية مرنة لأصحاب الخبرات، وتمكينهم من الإسهام في التطوير وصناعة القرار، إلى جانب نقل خبراتهم إلى الأجيال الجديدة، وتطوير نظم التقدير والحوافز، فإن أردنا المحافظة على تلك الكفاءات المتقاعدة مبكراً، فعلينا معرفة الأسباب الحقيقية للتقاعد ومعالجتها.

ختاماً..

بناء الكفاءات الوطنية رحلة طويلة، والحفاظ عليها ضرورة وطنية لحماية رأس المال المعرفي واستدامة التنمية، فالاستثمار الحقيقي لا يكتمل بإعداد الكفاءات، وإنما بتمكينها والاستفادة من خبراتها وصون عطائها، لتظل شريكاً فاعلاً في تحقيق مستهدفات «رؤية 2030».