مضت سنتان منذ آخر نصٍّ نشرته، وفي واقع الأمر، سبب انقطاعي عن الكتابة هو فقدان لياقتي الكتابية، ولأُصدقكم القول: إني لأخجل من أن أكتب بمستوى أقل من المعتاد، فتوقفت عن الكتابة استسلاماً لهذا الفقدان.

بعد صراعاتٍ ومحاولاتٍ بائسة في كتابة نصٍّ رائع، سألتُ نفسي عن الحكمة من رغبتي في إبهار القُرّاء؟ وهنا توقفتُ لوهلة! فوجدت أني بطريقة ما أصبحتُ أُشابه كل الذين وقعوا في فخ «الانبهار»، فهل يا ترى الرغبة في إبهار الآخرين هي محرك جيد لتطور الإنسان؟

أكتبُ منذ المرحلة الابتدائية، وكنتُ أجدُ الكتابةَ رفيقة عمري في كل أحوالي، فكلُّ ما حولي كان متغيراً عدا الكتابة، فقد كانت أكثر الأشياء ثباتاً في حياتي. كتبت في أوراقٍ ودفاتر، حتى أني لو لم أحمل مفكرتي معي، كنت أستخدم الكتب مسودةً لأفكاري، فأشارك الكتّاب كتبهم وأحشر أحرفي بين أحرفهم.

والآن، أدركت أني في مراحل معينة وددتُ أن أبهر الآخرين بأحرفي، فخذلتُ رفيقَ العمر عندما عرضته للتقييم - دون أن أشعر - بدلاً من مشاركة شعوري الصادق. وبطريقة ما أصبح تركيزي هو تغذية رغبتي في أن تتوسعَ قائمةُ الانبهار، بدلاً من الحفاظ على آراءٍ ذاتِ معنًى حقيقي بالنسبة لي.

إن أسوأ ما يفعله الإنسان بنفسه، هو أن يعرضها للتقييم المستمر ممن حوله، فيكون دافعه الأول في ممارسة أي فعل هو الرغبة في إبهار أحدهم، ومع مرور الوقت تصبح الحياة كالمسرح، وهو أبرز المهرجين فيه، ففي كل مرة يرتدي شيئاً لا يشبهه، ويمارس فعلاً لا يوده! فقط من أجل إرضاء جمهور وهمي، ليتفاجأ في نهاية المطاف بأن الحضور قد غادروا، وبقي وحده في منتصف المسرح يلهث من فرط المحاولات البائسة؛ لإبهار مُدرَّج فارغ من البشر، وأن أول المغادرين هم أولئك الذين حاول جاهداً أن يبهرهم.

إن الرغبة في التطور ينبغي أن يكون مصدرها أكثر صدقاً، وأن تكون أكثر عمقاً من تلك السطحية المتمثلة في رغبة إبهار الآخرين، فلا تجعل من نفسك مهرجاً يعرض ما يوده المشاهد، واسعَ لأن تطور ذاتك بطريقة ترضيك أنت، وأن تصل بمهاراتك لأماكن تناسبها، ولجمهور حقيقي يفهمها؛ لأن أسوأ محركات السعي هو الصعود على أهداف وهمية، فبدلاً من أن يكون هدفك العلم أو الفن، يصبح هدفك رأي الآخرين فقط؛ لأن الوهم سيتلاشى يوماً وتبقى وحدك هنا تتساءل: ما الهدف وراء السعي ما دام الجمهور قد غادر؟