خلف الواجهة البراقة لمطعم كباب مزدحم في قلب العاصمة النمساوية فيينا، وعبر شاشات هواتف تنبض بركام من الرسائل العربية المشفرة، تفكك الأجهزة الأمنية الأوروبية واحداً من أعقد الألغاز المالية في التاريخ الحديث: كيف تحولت مجموعة دردشة على تطبيق «واتساب» إلى إمبراطورية مصرفية ظلية تُهرّب مئات الملايين من اليوروهات لتغذية شبكات الجريمة وتنظيم «داعش»؟
الصدمة بدأت من هاتف ضبطته السلطات البلجيكية بحوزة قائد شبكة غسيل أموال يلقب بـ«أبو آدم». لم يكن الهاتف مجرد أداة اتصالات، بل كان «الجائزة الكبرى» التي كشفت مغارة سريّة تُدعى «تجار أوروبا الكبرى» (Traders of Greater Europe)، عبارة عن: مجتمع سري يضم 532 عضواً تبادلوا أكثر من 82 ألف رسالة لتدوير تدفقات مالية ضخمة تحلق كاملاً خارج رادارات المنظومة المصرفية ونظام «سويفت» الدولي.
التحقيقات الاستقصائية الموسعة التي قادها اتحاد البث الأوروبي (EBU) بالتعاون مع هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) أزاحت الستار عن تفاصيل هذه العملية الدرامية:
- شفرة الـ5 يوروهات وبطاقات الهوية: كشفت التحريات وجود 6000 صورة لأوراق نقدية من فئة 5 يوروهات مدونة بأرقامها التسلسلية، و6000 صورة لبطاقات شخصية، تُستخدم كـ«شفرات مطابقة» لحظية لتأكيد تسليم مبالغ ضخمة نقدياً عبر نظام «الحوالة» التقليدي دون ترك أي أثر ورقي.
- تمويل الإرهاب ومخيمات سورية: أثبتت تتبعات الأجهزة الأمنية توجيه سيولة نقدية خرجت من بروكسل نحو عناصر تنظيم «داعش» في سورية، خُصص جانب منها لتمويل عمليات تهريب زوجات المسلحين من داخل مخيمات الاحتجاز.
- واجهة الكباب وتهريب 100 ألف شخص: وفي فيينا، داهمت الشرطة النمساوية أكبر مكتب حوالة سري يُدار من خلف كواليس مطعم كباب شهير، ليتبين تورط القائمين عليه في تمويل عمليات تهريب نحو 100 ألف مهاجر غير شرعي، واحتجاز وتأديب سُعاة أضاعوا شحنات مالية.
تُسقط هذه الفضيحة المالية الستار عن واقع أمني جديد، أصبحت فيه التطبيقات الرقمية اليومية المتاحة في جيوب الجميع بمثابة البنية التحتية الأكثر خطورة لتشييد اقتصاد موازٍ يعبر القارات في جزء من الثانية، ممتداً من شوارع لندن وبروكسل إلى عمق الشرق الأوسط بعيداً عن أعين الرقابة.