كل أيديولوجيا مغلقة تحمل في داخلها سؤالاً لا تعلنه منذ البداية: أين مركز القرار الذي يمكن أن أستولي عليه؟ فهي قد تبدأ فكرةً تطلب حقها في النقاش، ثم لا تلبث أن تطلب احتكار تعريف الدين و الوطن و المصلحة العامة، و لا تكتفي بأن تؤثر في الدولة، بل تريد أن تصبح مرجعاً فوقها، و من هنا لا يكون السؤال السعودي: هل وصلت إلينا الأيديولوجيات؟ فقد وصلت بالفعل.. بل لماذا عجزت، مهما اتسع حضورها، عن أن تجعل العرش جائزةً لمشروعها؟
لقد عبرت المملكة، مثل غيرها، تيارات قومية ويسارية وحركية دينية، وترك بعضها أثراً امتد إلى الخطاب الاجتماعي والتعليم والمجال العام، ولا تخدم الحقيقة الوطنية محاولة إنكار ذلك، لكن وصول الفكرة شيء، وقدرتها على التحول إلى سيادةٍ فوق الدولة شيء آخر، فقد استطاعت بعض التيارات أن تكسب أتباعاً، وأن تؤثر في مرحلة، وأن تزاحم أحياناً على تفسير الدين أو المجتمع، لكنها لم تستطع أن تحوّل حضورها الجزئي إلى شرعيةٍ بديلة تبتلع الدولة.
ولذلك، فالمعيار الصحيح ليس جغرافيا الفكرة، بل وظيفتها، فقد تأتي فكرةٌ من الخارج فتضيف إلى المعرفة والتنمية، وقد ينشأ في الداخل مشروعٌ أشد انغلاقاً وخطراً، الفكرة تبقى اجتهاداً ما دامت تقبل أن تعيش مع غيرها تحت سقف النظام، أما حين تطلب ولاءً يعلو على الوطن، أو تدّعي تمثيل الدين والمجتمع تمثيلاً حصرياً، أو تجعل الوصول إلى القرار شرطاً لاكتمال وجودها، فإنها تنتقل من رأيٍ قابل للنقاش إلى مشروع احتكار.
وليست مناعة المملكة ناتجةً من شكل الحكم وحده، فقد عرف التاريخ عروشاً لم تكن مطروحةً للمنافسة، ثم سقطت حين فرغت الدولة من داخلها، أما الحالة السعودية فتقوم على شرعيةٍ مركبة: مرجعيةٌ في كتاب الله وسنة رسوله، ونظام حكمٍ ملكي تنعقد له البيعة، وتاريخ تأسيسٍ وتوحيد، وحكم يقوم على العدل والشورى والمساواة، ومؤسسات تحفظ انتظام الدولة، ووحدة وطنية ترى في المملكة بيتاً مشتركاً، ثم يأتي الأمن والإصلاح والإنجاز ليجدد الثقة ويضيف إلى الشرعية التاريخية شرعية الأثر.
هذه البنية لا تعني أن المجتمع بلا مطالب، أو أن الدولة فوق النقد، بل تعني أن الإصلاح لا يحتاج إلى هدم البيت كي يغيّر ما فيه، فالمطلب الوطني يسعى إلى دولةٍ أفضل، أما المشروع الأيديولوجي فيحتاج إلى تصوير الدولة خصماً دائماً حتى يبرر الحلول محلها، الأول يرى الخلل سبباً للإصلاح، والثاني يراه فرصةً للاستيلاء، والأول يريد أن تعمل المؤسسة بكفاءة، أما الثاني فلا يطمئن حتى تصبح المؤسسة أداةً في يده.
ولهذا، لا تكون المناعة بإغلاق باب السؤال أو تضييق مساحة الاختلاف، فذلك قد يمنح الأيديولوجيا المظلمة التي تبحث عنها، بل بتحويل الملاحظات إلى إصلاح، والاحتياجات إلى سياسات، والنقد المسؤول إلى معرفةٍ تساعد الدولة على تصحيح مسارها، فالدولة الراسخة لا تخشى من يريد تحسينها، والإصغاء للمواطن ليس تنازلاً عن السيادة، بل تعبيرٌ عن الثقة، وإغلاقٌ للطريق أمام جماعةٍ تريد احتكار شكواه ثم التحدث باسمه.
وهنا يظهر الفارق بين الدولة والتنظيم الأيديولوجي، فالأيديولوجيا المغلقة تمتحن ضمير الإنسان السياسي، وتطلب منه تطابقاً فكرياً كاملاً، ثم تمنح القبول لمن يقترب منها، وتسحبه ممن يخالفها، أما الدولة فتجمع المواطنين في رابطة الحقوق والواجبات، وتحاسبهم على أفعالهم وفق النظام، لا على مقدار انتمائهم إلى نظريةٍ سياسية واحدة، وكلما اتسعت الدولة للاختلاف المسؤول، ضاقت المساحة التي تستطيع الجماعة المغلقة أن تحوّلها إلى معسكرٍ للطاعة.
و لم ينتهِ عصر الأيديولوجيا كما يُقال، فقد تجدّد حضورها في العالم بصورٍ قومية متطرفة، وشعبوية، وهوياتٍ مغلقة، لكنها لم تعد قادرةً على إعفاء نفسها من اختبار النتائج، فالمواطن المعاصر لا يسأل فقط عن نقاء الشعار، بل عن الأمن و العمل والتعليم والصحة وكفاءة الإدارة، وهنا تتقدم الدولة التي تحوّل الرؤية إلى حياة، لأن الإنجاز لا يلغي الشرعية ولا يستبدلها، بل يمنحها لغةً يومية يلمسها المواطن في واقعه.
غير أن عدم قدرة الأيديولوجيا على امتلاك الحكم لا يعني انتهاء خطرها، فقد تعجز عن الوصول إلى القرار، ثم تحاول الاستيلاء على الوعي، فتجعل كل اختلافٍ امتحان ولاء، وكل حق بوابة لمشروع، و كل هويةٍ متراساً، و كل نقدٍ دليلاً على الخيانة، ولهذا لا تكفي صلابة مؤسسات الدولة وحدها، بل تحتاج إلى وعيٍ وطني يميّز بين الفكرة التي تثري المجال العام، والأيديولوجيا التي تستخدمه طريقاً إلى احتكاره.
قوة المملكة إذاً ليست في أن الأيديولوجيات لم تصل إليها، ولا في أن العرش لم يكن شاغراً فحسب، بل في أن الدولة نفسها لم تكن فارغة: لها مرجعيتها، و بيعتها، ومؤسساتها، وذاكرتها، ومشروعها الوطني، وقدرتها على الإصلاح والإنجاز، لذلك عجزت الجماعات عن التحول إلى دولةٍ فوق الدولة، وبقي التحدي الأهم ألّا تنجح في تحويل وعي المجتمع إلى عرشٍ بديل.
نقطة آخر السطر:
حين لا يكون الحكم جائزةً للأيديولوجيا..
يجب ألّا يكون وعي المجتمع جائزتها البديلة.