يخطئ من يعتقد أن الحروب تنتهي عند آخر طلقة، أو تُقاس نتائجها بعدد الصواريخ أو حجم الدمار الذي تسبّبت فيه فحسب، لأن النتائج الحقيقية للحروب تكمن فيما تتركه من تحوّلات سياسية واقتصادية وأمنية تعيد رسم ملامح المرحلة التالية، ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية اليوم لا يتمحور حول من سينتصر، بل سيدور حول وضع الشرق الأوسط في اليوم التالي للحرب، وهل سينتج عن المواجهات الحالية واقع أكثر استقراراً، أم مرحلة جديدة من الاضطرابات؟
عاش الشرق الأوسط خلال العقود الماضية سلسلة طويلة من الصراعات التي غيّرت خرائط النفوذ والتحالفات وأعادت تشكيل الأولويات، ومع كل صراع جديد يندلع تدخل المنطقة مرحلة جديدة سواء على صعيد موازين القوى أو على مستوى طبيعة العلاقات الإقليمية أو حجم التدخلات الدولية، واليوم تبدو المنطقة أمام محطة جديدة قد تفرض معادلات مختلفة سواء استمرت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أو انتهت بتفاهمات سياسية جديدة.
لعل أول ملامح هذه المرحلة سيكون إعادة تقييم موازين القوة، فمع كل مواجهة عسكرية تتكشف قدرات كل طرف، مما يدفع الدول إلى مراجعة إستراتيجياتها الدفاعية والأمنية، كما أن نتائج الحرب ستؤثر في طريقة تعامل القوى الإقليمية مع الملفات الحساسة، وستحدد شكل التحالفات التي قد تنشأ خلال السنوات المقبلة، وسياسياً من المحتمل أن يكون الحوار هو العنوان الذي لا يمكن تجاوزه، فمهما بلغت حدة المواجهات، أثبتت الوقائع أن الحروب تنتهي في نهاية المطاف بطاولة المفاوضات، لكن نجاح أي مفاوضات مستقبلية سيتوقف على مدى استعداد الأطراف المنخرطة فيها لمعالجة جذور الأزمة، وليس الاكتفاء بإبرام اتفاقات مؤقتة، فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بوقف إطلاق النار وحده، بل ببناء تفاهمات تضمن خفض التوتر وتمنع تكرار الأزمات.
أما اقتصادياً فستواجه المنطقة تحديات كبيرة، لكنها قد تجد أيضاً فرصاً جديدة، فالحروب تؤثر في حركة التجارة وأسواق المال والاستثمار والنقل البحري وأسعار الطاقة، لكن مرحلة ما بعد الحرب قد تشهد جهوداً واسعة لاستعادة الثقة بالاقتصادات الإقليمية، والسعي إلى جذب الاستثمارات، وإعادة تنشيط المشاريع الكبرى التي تأثرت بالتصعيد، وسيكون نجاح هذه الجهود مرتبطاً بقدرة الدول على توفير بيئات مستقرة وآمنة، ولا شك أنه لا يمكن تجاهل الدور الذي ستلعبه دول الخليج في هذه المرحلة، لكونها رسخت خلال السنوات الأخيرة نهجاً يقوم على التنمية الاقتصادية، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الشراكات الدولية، ومن المتوقع أن تستمر دول الخليج في الدفع نحو التهدئة، كون الاستقرار هو الأساس الذي تقوم عليه التنمية المستدامة، ولإيمانها بأن أي تصعيد طويل الأمد ستكون له انعكاسات مباشرة على المنطقة بأكملها.
كما أن المجتمع الدولي سيجد نفسه أمام مسؤولية كبيرة في مرحلة ما بعد الحرب، فالشرق الأوسط ليس مجرد منطقة ذات أهمية جغرافية، بل يمثل محوراً رئيسياً في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ولذلك فإن استقرار المنطقة أصبح مصلحة دولية، وليس شأناً إقليمياً فقط، ومن المرجح أن تتزايد المبادرات الدبلوماسية الرامية إلى تثبيت التهدئة، وإطلاق مسارات حوار تعالج الملفات العالقة، ولعل أبرز القضايا التي ستفرض نفسها بعد انتهاء الحرب هي قضية أمن الممرات البحرية وسلامة حركة التجارة الدولية، فقد أثبتت الأزمات الأخيرة أن أي اضطراب في هذه الممرات ينعكس سريعاً على الاقتصاد العالمي، سواء من خلال ارتفاع تكاليف النقل أو تقلبات أسعار النفط أو زيادة مخاطر التأمين، ولهذا سيكون تعزيز أمن الملاحة أحد أهم الملفات المطروحة على أجندة المرحلة المقبلة.
غير أن التفاؤل يجب أن يظل واقعياً؛ فاليوم التالي للحرب قد يحمل تحديات معقدة إذا بقيت أسباب الخلاف دون معالجة، فالمنطقة تحتاج إلى بناء الثقة بين كافة الأطراف، واحترام القانون الدولي، والاعتماد على الحوار وسيلة لحل النزاعات، لأن العودة إلى دوامة التصعيد لن تؤدي إلا إلى استنزاف جديد للموارد والفرص، ويقف الشرق الأوسط اليوم أمام فرصة تاريخية، فإذا أُحسن استثمار اليوم التالي للحرب، قد تتحول الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو مرحلة أكثر استقراراً وتعاوناً.
ويبقى الأمل في أن يكون اليوم التالي للحرب بداية لشرق أوسط مختلف؛ شرق أوسط تُبنى فيه العلاقات على المصالح المشتركة، ويُنظر إلى التنمية باعتبارها أقوى أدوات الأمن، ويصبح الحوار هو السبيل الأول لحل الخلافات، فالتاريخ لا يخلد الحروب، بل يخلد اللحظات التي انتصرت فيها الحكمة على السلاح، واختارت فيها الدول صناعة المستقبل بدلاً من البقاء أسيرة لصراعات الماضي وآلامه.