في مقال سابق تحدثت عن بعض تعاريف الوهم. واليوم نطرح سؤالاً عن هل نحن نعيش الوهم؟ الجواب هو أن البشر بطبيعتهم يعيشون قدراً من الوهم، لكن ليس بالمعنى المرضي أو الفلسفي المتطرف. لأن الوهم ليس حالة ثنائية (نعم/لا)، بل طيف يتفاوت حسب الوعي والنقد الذاتي.

هنا نقسم الوهم إلى نوعين:

١. الوهم الفردي

الضروري للحياة لأن الدماغ البشري يبني «نماذج» مبسطة للواقع ليتخذ قرارات سريعة. هذه النماذج ليست الحقيقة المطلقة، بل «وهم عملي» يساعدنا على العيش. مثال: الإحساس بالاستمرارية الزمنية وهمي فيزيائياً، لكنه ضروري للحياة اليومية.

٢. الوهم الاجتماعي والثقافي

هذا الوهم خطير جداً لأنه عندما تصبح المعتقدات الجماعية (كالخرافات، تقديس التراث البشري، نظريات المؤامرة) منيعة ضد النقد، تتحول إلى وهم مرضي· مجتمعاتنا تعاني من ذلك المرض بوضوح· ويتجسّد هذا الداء في تقديس النصوص البشرية كأنها مقدسة، رفض مراجعة التراث تحت ذريعة «العزوف عن الشبهات» أو بحمايته من غير المختصين. وكذلك في استسهال تفسير الأحداث بنظريات مؤامرة بدلاً من التحليل الموضوعي.

هذا التقسيم يذكرنا بجدلية «الأنا» و«الجماعة» في علم الاجتماع. فالإنسان قد يتسامح مع وهمه الشخصي (كاعتقاده أنه سيحقق حلمه غداً)، لكنه لا يتسامح مع وهم الجماعة لأنه يهدد وجوده الرمزي.

فيما يخص «الوهم الاجتماعي في مجتمعاتنا»، أرى أن له سببين جذريين؛ أولهما غياب مؤسسة «النقد الذاتي» الرسمية، بينما في الغرب، النقد جزء من مؤسسات (كالمعارضة البرلمانية، الصحافة المستقلة، الأوساط الأكاديمية). أما عندنا، فالنقد غالباً ما يُعتبر «تشكيكاً» في المقدسات، أو في التراث حتى لو كان علمياً. النتيجة: يتحوّل التراث إلى صنم، ويُمنع الخوض فيه إلا بـ«مفاتيح» غير واضحة، وهذا هو عين الوهم. ثانياً: تسليع «الهوية» عوضاً عن تفعيلها، حيث أصبحت الهوية سلعة تُباع في الخطاب الإعلامي (لافتات، شعارات، احتفالات)، بدلاً من أن تكون مشروعاً فكرياً قابلاً للمراجعة. فبدل أن نسأل: «ماذا نريد أن نكون؟»، نردد: «نحن بخير كما نحن». وهذا يغذي الوهم الجماعي.

كما يجدر التفريق بين الوهم والظن المشروع الفرق بين الوهم والظن المشروع؛ لأن الظن هو موقف مؤقت قابل للتعديل بالأدلة (مثلاً: «أظن أن السبب الفلاني وراء المشكلة»). أما الوهم فهو تصلب في الاعتقاد رغم تناقضه مع الواقع (مثلاً: «كل ما يحدث مؤامرة غربية» دون دليل). الكثير مما نسميه «ظناً» في خطابنا العام هو في الحقيقة وهم، لأنه غير قابل للنقاش.

لذا الكثير يعيش الوهم الاجتماعي حين يستبدل التفكير بالنقل، والتساؤل باليقين الجاهز، والتحليل بالانفعال. لكن السؤال الأهم: هل نملك الشجاعة لمواجهة أوهامنا الجماعية؟

الحل في رأيي أن نمارس الوعي النقدي فهو الترياق الذي به نميز بين «ما نعرفه»، و«ما نظنه»، و«ما نتمناه»، و«ما ورثناه دون فحص».