يبدأ ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، زيارة دولة رسمية لفرنسا، اليوم (الأحد)، تستمر حتى غدٍ (الإثنين). وسيكون الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في استقبال ولي العهد. وقال بيان لقصر الإليزيه، إن الأمير محمد بن سلمان والرئيس ماكرون، سيبحثان قضايا المنطقة وتأثيرات الحرب التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط. وتبدأ الزيارة اليوم (الأحد) بحضور ولي العهد وماكرون، ختام فعاليات كأس العالم للرياضة الإلكترونية، التي نظمت للمرة الأولى خارج المملكة العربية السعودية. وتعتبرها السلطات الفرنسية ضماناً لطموح المملكة وفرنسا المشترك لجعل الرياضة والثقافة عاملاً للتقارب بين البلدين، بحسب بيان للرئاسة الفرنسية.

وكان الديوان الملكي، أوضح في بيان، أن ولي العهد يقوم بهذه الزيارة بناءً على توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، واستجابة للدعوة الموجهة من الرئيس الفرنسي. وأضاف قصر الإليزيه، أن الرئيس ماكرون وولي عهد السعودية سيعقدان اجتماعاً لمجلس الشراكة الإستراتيجية السعودية الفرنسية. كما سيناقش الزعيمان القضايا الاقتصادية والإستراتيجية الرئيسية التي تشكل الشراكة بين البلدين، خصوصاً اتفاقات البلدين في الشؤون الدفاعية، والتعاون الاقتصادي، والطاقة، والملاحة الجوية. وذكر قصر الإليزيه، أن المحادثات بين الجانبين ستركز أيضاً على القضايا الإقليمية الرئيسية، في سياق يدعو إلى التنسيق المشترك بين فرنسا وشركائها في منطقة الخليج، بما يحقق الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط؛ وبشكل خاص الأزمات في إيران، واليمن، ولبنان. وقالت صحيفة «لو باريزيان» أمس: إن الزيارة ستشهد توقيع عدد من الاتفاقات. وقال قصر الإليزيه: إن ذلك سيمثل انعكاساً لـ«ديناميات العلاقات الفرنسية السعودية في سياق إقليمي يتسم بالتوتر». وأشار القصر الرئاسي الفرنسي إلى أنه بينما لا يزال التشاور مستمراً بشأن بعض الاتفاقات، إلا أنه ستكون هناك اتفاقات اقتصادية عديدة في مختلف القطاعات، منها النقل والطاقة والصحة، سيتم توقيعها غداً (الإثنين). كما سيُعقد غداً اجتماع وزاري للبحث في تنويع طرق إمدادات الطاقة، في ظل إغلاق إيران مضيق هرمز الإستراتيجي. وأشار بيان رسمي في باريس إلى أن محادثات ماكرون والأمير محمد بن سلمان، ستتطرق للقضايا الأمنية، خصوصاً الأزمة بين إيران والمملكة، وإغلاق مضيق هرمز، والملف الإسرائيلي الفلسطيني، وحل الدولتين، والوضع في لبنان، وفي سورية، والتعاون السعودي الفرنسي بشأن تطوير منطقة العلا. ويتوقع أن يدعو ماكرون إلى مزيد من الاستثمارات السعودية في فرنسا. ومن المقرر أن يتم توقيع الاتفاقات بين البلدين في حفلة خاصة تقام في وقت متأخر، غداً (الإثنين).

وتُعَد زيارة الأمير محمد بن سلمان، لباريس الثالثة من نوعها، بعد زيارتين قام بهما في يوليو 2022 ويونيو 2023. ويتضمن برنامج الزيارة جلسة اقتصادية تجمع كبار الرؤساء التنفيذيين الفرنسيين بالوفد الاقتصادي المرافق لولي العهد، مع التركيز كذلك على استثمارات «صندوق الاستثمارات العامة» والمشاريع الصناعية الكبرى. وأشارت شبكة «يورونيوز» الأوروبية إلى أن البلدين يسعيان إلى تعزيز التقاطع بين مستهدفات «رؤية السعودية 2030» وبرنامج «فرنسا 2030»، فيما يتطلع الجانب الفرنسي إلى جذب مزيد من الاستثمارات السعودية، خصوصاً بعد إعلان صندوق الاستثمارات العامة عزمه افتتاح مكتب في باريس.

وتعمل المملكة على تطوير قطاعات اقتصادية جديدة، وتوسيع قاعدتها الصناعية، مع التركيز على السياحة، والثقافة، وزيادة الاستثمارات في التكنولوجيا ورأس المال البشري، فيما تمتلك فرنسا خبرات صناعية وتقنية يمكن توظيفها في هذه المجالات.

وبلغ حجم التجارة الثنائية 12 مليار دولار في 2025. كما ارتفعت الاستثمارات الفرنسية في المملكة من 7 مليارات إلى 19 مليار ريال، لتقترب من ثلاثة أمثال مستواها السابق. واستقطب «المنتدى السعودي الفرنسي للاستثمار»، الذي استضافته الرياض في ديسمبر 2024، أكثر من 800 مشارك، وشهد إبرام عقود واتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجموعة من القطاعات.

وتشمل المحادثات مشاركة فرنسا في «إكسبو 2030» الذي تستضيفه الرياض، وفرص الشركات والخبرات الفرنسية في المشاريع المرتبطة بالمعرض، والمشاريع الكبرى الأخرى في المملكة. وتتيح وتيرة التحول الاقتصادي في السعودية للشركات الفرنسية فرصة لتعزيز حضورها في أكبر اقتصاد عربي، فيما تتجه العلاقة نحو الاستثمار الطويل الأجل، وتوطين الصناعة والتكنولوجيا، ونقل المعرفة، وبناء سلاسل إمداد أكثر مرونة.

وتمثل الطاقة إحدى ركائز العلاقات السعودية الفرنسية. ويبرز التعاون بين «أرامكو السعودية» و«توتال إنرجيز»، ولا سيما عبر مصفاة «ساتورب»، نموذجاً للشراكات الطويلة الأجل بين شركات البلدين. لكن مجالات التعاون لا تقتصر على النفط والتكرير والبتروكيماويات، إذ تشمل أيضاً الطاقة المتجددة، والهيدروجين، وتخزين الطاقة، وشبكات الكهرباء، والمعادن الحيوية، واحتجاز الكربون. ويأتي ذلك ضمن سعي السعودية إلى بناء منظومة طاقة أكثر تنوعاً، بالتزامن مع بحث الشركات الفرنسية عن فرص طويلة الأجل في مشاريع التحول في قطاع الطاقة والبنية التحتية.

وتتمتع السعودية بثقل سياسي واقتصادي في العالمين العربي والإسلامي، بينما تمتلك فرنسا عضوية دائمة في مجلس الأمن، ونفوذاً داخل الاتحاد الأوروبي، وحضوراً سياسياً وعسكرياً تاريخياً في الشرق الأوسط. ويُذكر، أن العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وفرنسا نشأت في 1926. وفتحت فرنسا بعثتها الدبلوماسية في جدة في 1932. وشكلت زيارة الملك فيصل بن عبدالعزيز، إلى فرنسا 1967، ولقاؤه بالرئيس شارل ديغول، إحدى المحطات التي دفعت العلاقات نحو نطاق سياسي وإستراتيجي أوسع. واتسع نطاق التعاون خلال العقد الأخير بالتزامن مع إطلاق «رؤية 2030»، ليشمل الاستثمار والسياحة والثقافة والبنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة والدفاع.

وجاء الاتفاق على إنشاء «مجلس الشراكة الإستراتيجي السعودي الفرنسي» خلال زيارة ماكرون إلى المملكة في ديسمبر 2024، ليمنح العلاقة إطاراً مؤسسياً على مستوى رفيع، يستهدف تحويل التفاهمات السياسية والاقتصادية إلى برامج ومشاريع قابلة للتنفيذ.