في الظروف الطبيعية، تُعد «الولاعة» أو القداحة أداة متناهية الصغر، يُشترى بعضها بثمن زهيد وتُنسى في أدراج المنازل دون اهتمام. لكن في قطاع غزة اليوم، تحولت هذه القطعة البلاستيكية الصغيرة إلى عملة نادرة يلاحقها النازحون في الأسواق، بعدما قفز سعر الواحدة منها إلى مستويات قياسية وصلت نحو 44 دولاراً (ما يعادل 160 ريالاً سعودياً)!

هذا الارتفاع الهائل لم يكن مجرد غلاء عابر، بل تحول إلى أزمة صامتة تشغل تفكير عائلات النازحين في المخيمات يومياً.

السبب الذي يدفع السكان لدفع هذه المبالغ الخيالية أو البحث عن بدائل مضنية، هو أن الحصول على «شرارة نار» أصبح الخطوة الأولى والأصعب لإعداد طعام الأطفال أو تسخين المياه.

أمام هذا الشح الشديد، أصبحت «الولاعة» الواحدة ملكية مشتركة بين الخيام، حيث تضطر أمهات نازحات إلى انتظار اشتعال النار لدى الجيران لإرسال ورقة صغيرة مع أطفالهن لنقل الشعلة، بينما تحولت قداحة إحدى المسنات في مخيمات النزوح إلى «مقصداً عمومياً» يستعيرها عشرات الجيران طوال النهار لإشعال الحطب وإعداد حليب الرضع.

«مهندس ولاعات».. مهنة جديدة تحت وطأة الحاجة

هذا الواقع الغريب أنعش مهنة لم تكن معروفة من قبل، حيث يجلس عمال سابقون وسط أزقة المخيمات محاطين بقداحات تالفة، يعملون على شراء «الولاعات» التالفة أو المنتهية وتفكيكها لاستخراج حجر الإشعال والأجزاء السليمة لإعادة تركيبها في «ولاعات» أخرى.

إصلاح القداحة القديمة مقابل مبالغ بسيطة أصبح الخيار الوحيد لأسر لا تملك رفاهية شراء واحدة جديدة بسعرها المرتفع، في قصة تختزل كيف يمكن لشيء بسيط أن يتحول إلى رمز شاق لمعركة البقاء اليومية.