يواجه حلف شمال الأطلسي «الناتو» تحدياً متزايداً مع تصاعد الشكوك بشأن الالتزام الدفاعي الأمريكي تجاه أوروبا، بالتزامن مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية واحتمال وصول قوى سياسية تدعو إلى تقليص دور فرنسا في الحلف أو الانسحاب منه.
وبحسب مجلة «بوليتيكو»، تؤيد شرائح واسعة من الناخبين الفرنسيين مرشحين من اليمين واليسار المتشددين، بينهم زعيمة حزب التجمع الوطني مارين لوبان، التي دعت إلى انسحاب فرنسا من القيادة العسكرية المشتركة للناتو، وجان لوك ميلانشون، الذي يطالب بالانسحاب الكامل من الحلف.
ضربة قوية للحلف
يمثل خروج فرنسا من القيادة العسكرية للناتو، أو انسحابها الكامل، تحدياً كبيراً للحلف، باعتبارها قوة نووية رئيسية في أوروبا وعضواً مؤثراً في الاتحاد الأوروبي. وقد ينعكس ذلك على انتشار القوات الفرنسية في دول مثل رومانيا وإستونيا، وعلى التنسيق العسكري والوصول إلى بعض القدرات والمعدات.
وتزداد حساسية المسألة في ظل تقليص الولايات المتحدة وجودها العسكري في أوروبا خلال عهد الرئيس دونالد ترمب، ما دفع الدول الأوروبية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية تحسباً لاحتمال مواجهة روسيا خلال السنوات القادمة.
وقال الباحث الدفاعي والمتحدث السابق باسم الناتو جيمي شيا،، إن تراجع الوجود الأمريكي يجعل من المهم أن تتحمل الدول الأوروبية، ومنها فرنسا، مسؤولية أكبر داخل الحلف، لا أن تبتعد عنه.
مخاوف أوروبية من الانتخابات
ودعا وزير الدفاع الفنلندي أنتي هاكانين فرنسا إلى الحفاظ على اندماجها الكامل في هياكل الناتو، مؤكداً أهمية وجود حلف قوي في مواجهة التحديات الأمنية.
وفي المقابل، اعترف مسؤولون في الحلف بأن الانتخابات الفرنسية القادمة قد تحمل مخاطر كبيرة. وقال دبلوماسي في الناتو لـ«بوليتيكو»: «أخشى هذه الانتخابات. خسارة فرنسا ستكون كارثية».
وأشارت استطلاعات داخلية للناتو إلى أن نحو 54% من الفرنسيين يؤيدون بقاء بلادهم في الحلف، وهي ثاني أدنى نسبة بين دول الناتو الـ32.
سابقة تاريخية
ليست هذه المرة الأولى التي تبتعد فيها فرنسا عن الهيكل العسكري للناتو. ففي عام 1966، سحب الرئيس شارل ديغول فرنسا من القيادة العسكرية للحلف، ما أدى إلى نقل مقر الناتو من باريس إلى بروكسل. وعادت فرنسا إلى القيادة العسكرية عام 2009 في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي.
ويرى خبراء أن تكرار السيناريو قد لا يعني بالضرورة قطيعة كاملة، لكن وصول رئيس فرنسي أكثر تشدداً قد يضعف التعاون العسكري ويخلق حالة من عدم اليقين داخل الحلف.
وتبقى الانتخابات مفتوحة على احتمالات عدة، خصوصاً أن المرشحين قد يخففون مواقفهم بعد الوصول إلى السلطة كما حدث مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني. ومع ذلك، فإن تصاعد الخطاب المناهض للناتو في فرنسا يضع الحلف أمام اختبار سياسي وأمني بالغ الحساسية.