وصف هنري كيسينجر النظام الإيراني في أحد مقالاته بأنه يجمع بين نموذج الدولة ذات السيادة التي تستند إلى النظام العالمي وفي الوقت نفسه تنظّم وتدعم مجموعات مسلّحة تسعى للهيمنة الإقليمية وفق منطلقات أيديولوجية.
في لبنان، يعكس حزب الله هذا النموذج الإيراني. خلال عهد أمينه العام السابق حسن نصرالله، استطاع الأخير استمالة شرائح من اللبنانيين تتجاوز البيئة التقليدية للحزب من خلال خطاب تمركز حول قضية الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان والتهديدات الإسرائيلية. لكن ذلك لم يلغ الوظيفة الإقليمية للحزب وارتباط سلاحه بالمشروع الإيراني، وهو ما يتجلّى بوضوح أكبر في عهد أمينه العام الحالي نعيم قاسم سواء في تحديده وظيفة السلاح ودوره، أو في حديثه عن ارتباطه بإيران.
ومن نصرالله إلى قاسم لطالما شكّلت الدولة بالنسبة إلى حزب الله أداة لتأمين مصالحه ومشروعه. عمل حزب الله على السيطرة على مفاصل الدولة واستخدامها كأداة لتثبيت نفوذه الداخلي ليس فقط من خلال التعيينات في قطاعات عدة (كل الأحزاب اللبنانية تستند إلى المحاصصة وترى في الدولة وسيلة للخدمات)، بل في امتلاكه فائض قوة يتيح له رفع كلفة تطبيق القرارات التي تعارض مصالحه. من هنا، شكّل فائض القوة الذي يمتلكه الحزب غطاء لشبكة تتقاطع فيها مصالح المال والفساد والسلاح، فكانت المعادلة بسيطة: الدولة تؤمن الغطاء لاستمرارية السلاح والشبكات التي تخدمه، وأي قرار يهدد مصالح الحزب وشبكة نفوذه، تتحوّل الدولة إلى عدوّ يجب شيطنته ومحاربته.
هنا، يستخدم الحزب خطاب المظلومية و«الاستهداف الوجودي» لتحويل النقاش من مساءلة الخيارات السياسية والعسكرية إلى الحق في الدفاع عن الوجود والجماعة.
ما دور رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام؟ يمثّل نموذج نواف سلام معضلة لنموذج حزب الله. فهو لم يكتف بسياسة الاستهلاك الإعلامي في خطابات حصرية السلاح بيد الدولة كما جرت العادة عند رؤساء الحكومات والمسؤولين، وهو ما استطاع الحزب التعايش معه ما دام أنه غير مقرون بآليات تنفيذية. من هنا، فإن المعضلة التي يمثلها سلام هي الانتقال من الخطاب حول حصرية السلاح إلى مستوى القرار التنفيذي (قرار الحكومة في ٢ آذار/مارس حظر الأنشطة العسكرية). غير أنه، رغم أهمية ما قام به، فإن ثمّة مساحة لا يزال حزب الله وكل المنظومة يتحركون من خلالها، وهي لا تتعلّق فقط بقدرة الجيش على تنفيذ القرار تحت عنوان الخوف من الحرب الأهلية، بل بحضور الدولة نفسها في وعي الناس.
من هنا، يشكّل فائض القوة نصف المعادلة، أما نصفها الآخر، فهو الشرعية. في مقالة له بعنوان «هل انتصرت إيران على دول الخليج»، تحدث ممدوح المهيني، مدير عام شبكة العربية والحدث، عن ثنائية فائض القوة والشرعية، معتبراً أن النظام الإيراني يعاني من أزمة الشرعية السياسية الداخلية. في المقابل، يرى المهيني أنه على الرغم من الاعتداءات عليها، استطاعت دول الخليج الحفاظ على تماسكها الداخلي فازداد التفاف الناس حول قياداتها.
في لبنان، يبقى السؤال الأساسي: هل تحضر الدولة في وعي اللبنانيين بوصفها المرجعية القادرة على حمايتهم؟ هذا هو الاختبار الذي يواجه نواف سلام ومعه العهد الحالي. هي مهمّة صعبة لكنها ليست مستحيلة، وقد تبدأ بخطوات بسيطة من تعيينات إدارية لا تخضع لابتزاز الأحزاب وصولاً إلى المحاسبة. عندها، لن ترى بيئة الحزب في السلاح ضرورة وجودية، ولن يجد اللبنانيون في العائلة والزعامة والطائفة شبكات حماية بديلة. عندها فقط، يصبح اللبنانيون مواطنين، لا «مكوّنات طائفية» كما يتمّ تعريفهم اليوم.