يهم دول المنطقة كما العالم أن تعرف أفق هذا الصراع الممتد بين أمريكا وإيران، بعد انسحاب إسرائيلي من الصراع على الأرجح أنه بتوجيه من القيادة الأمريكية، وهذا الصراع نهايته الأقل ضرراً مهمة للعالم ليس لأننا نعيش في عالم أفلاطون، فالصراعات تمتد من أوروبا حيث روسيا وأوكرانيا وصولاً للسودان وغيرها من الصراعات الأفريقية، ولكن للخلاف هذا تأثير أكبر على العالم لطبيعته ولمقاربة لاعبيه.

فإيران على سبيل المثال حين انتهت من حرب الاثني عشر يوماً جلست لتحلل نقاط قوتها وأوراق ضغطها الممكنة، واتبعت سياسة سأهدّد ثم سأفعل ولكن المترجم الأمريكي اعتبرها عنتريات، وذلك لشح في التحليل العميق الذي يستند ولو غابت المعلومات الاستخبارية إلى تاريخ النظام على أقل تقدير، فمن قال إن النظام الذي احتجز الأمريكيين في السفارة بطهران، أو الذي طلب من حزب الله اقتحام مبنى داكار في غرب بيروت بشاحنة وتفجير مظليين فرنسيين إنه نظام تغيّر اليوم.

وقد قرأت إيران جيداً ضعف ورقة بعض الأذرع، فقررت تأجيل الحوثي والحشد قليلاً في فبراير والاستعانة باستهداف دول الخليج والناقلات ومضيق هرمز، ويأتي ذلك من زاوية عدم القدرة على التكافؤ العسكري مع الولايات المتحدة، واتبعت إستراتيجية الضغط على الاقتصاد وعلى عدة دول من المصدرين، حتى يقوموا بدورهم بالضغط على واشنطن كسلاح إيراني غير مباشر.

واليوم مع توجه إدارة ترمب لمسارات إيقاف الضربات والاستمرار في حصار الموانئ وحملة الضغط القصوى اقتصادياً، وبالتالي افتراض أن حرب استنزاف ستُسقط النظام، وهذا ليس خطأ بالمناسبة وسنفصل ذلك، قامت طهران بالرد على ذلك بالتلويح بضرب أهداف في شرق أوروبا حيث وردت تلميحات حول بلغاريا وقبرص، وكذلك عن قطع خطوط الإنترنت العابرة من هرمز، لإدخال اللاعب الأوروبي من الباب الكبير كأداة ضغط على الإدارة الأمريكية وهم من تأثروا بالفعل بأسعار الوقود منذ فبراير 2022 موعد انطلاق الحرب الروسية الأوكرانية.

وإذا اختزلنا المشهد في العناوين فلابد أن حالة الجمود هذه تُشعر بالقلق، حيث الرئيس ترمب يصرح بأنه أوقف المفاوضات، وترى طرفين كل منهما يراهن على سقوط الآخر، إما أن يسقط الإيرانيون اقتصادياً ويتنازلوا، وإما أن يصل الضغط السياسي أقصاه على إدارة ترمب ويقترب من تسوية، ومن الناحية الإيرانية الضغط الاقتصادي مؤثر جداً خاصة إذا توقفت العمليات العسكرية وغابت تصريحات مستفزة تشد العصب الشعبي، من شاكلة سنقضي على الحضارة الإيرانية، ولنا في مظاهرات يناير التي انتفض فيها الشعب ضد شظف العيش خير مثال.

أما أمريكياً فأكثر نقاط الرهان الإيراني ضعفاً أن الضغط السياسي الحقيقي يأتي من التوابيت، والتقديرات تشير إلى أن الوفيات الأمريكية لم تتجاوز 15 شخصاً وهو رقم منخفض لدولة خاضت حربي العراق وأفغانستان، ويبقى رهان الإيرانيين محصوراً في الانتخابات النصفية وغلاء أسعار الوقود وضغوط من داخل الحزب الجمهوري وماجا.

لكن هذا التفكير تصفه الدكتورة انيش تبريز في مقال منشور على تشاتام هاوس بأنه تفكير رغبوي، فأمنيات طهران لن تتحقق بهذه الطريقة وأمنيات واشنطن كذلك، فالنسق الإيراني يوحي بأمرين بالغي الأهمية؛ أولهما أن إيران لا تستنفد كروتها لأنها تشعر بأن الحرب دائماً ما ستجدّد ولا تثق في نظام قام بحربين عليها وانسحب من اتفاق في 2018، وهذا بظني أحد أكبر أسباب فشل مذكرة التفاهم في يونيو الماضي، حيث افترضت أنها قدّمت تنازلات آنية بانتظار رفع عقوبات مستقبلي وعناوين رنانة من ترمب على شاكلة صندوق إعمار بـ300 مليار، الأمر الآخر هو محاولة تغيير بيادق لعبة الشطرنج تماماً، فتصبح الأذرع الإيرانية والصواريخ نسياً منسياً ويأتي السيد هرمز ليجلس بجانب بيدق النووي الذي لا يمكن تجاوزه.

الاقتصاد الإيراني أسوأ من السيئ ويكفي دلالة إصدار عملة العشرة ملايين بعد شهر من إصدار الخمسة ملايين، كما شاهدنا المظاهرات بدأت بالخروج، ورئيس البرلمان قاليباف يطالب بالعودة للتوحد الشعبي كما في أيام الحرب وهو ما تكرر من عدة مسؤولين مما يشير للخشية من الشارع، لكن رغم الوضع الاقتصادي فهو نظام خبر الالتفاف على العقوبات لعقود، وبالتالي الكلمة المفتاحية هي إغلاق مسامات الالتفاف الإيراني حول العقوبات، وفي جزء كبير منها النفط الذي يتم تصديره للصين.

اليوم الرئيس ترمب لم يغلق قنوات التفاوض مباشرة لكن يبدو أن قناة خلفية مع الحرس الثوري مباشرة ومع قيادات مثل أحمد وحيدي هي المرجحة اليوم لمقاربة برغماتية بعيدة عن فلاشات الإعلام، ففي نهاية اليوم الخسارة المريرة هي التي تظهر للنور لا التي تحصل فعلاً.