تغيّرت الأغنية، لكن التحول الأكبر حدث في علاقتنا بها. انتقلت من عمل نذهب إليه وننتظره إلى محتوى يعرف طريقه إلينا قبل أن نبحث عنه. وبين المسافتين تبدلت صناعة كاملة، وتغير معها مقدار ما نبذله من وقت وانتباه للفن.
أتذكر جيدًا محلات الكاسيت في جدة. لم يكن صدور ألبوم لفنان كبير خبرًا عابرًا بالنسبة لي، بل كان موعدًا يعرفه المهتمون، ويسألون عنه قبل أيام. نذهب إلى المحل، نحجز نسختنا، وقد نقف في طابور طويل للحصول عليها. لم يكن في ذلك ما يزعجنا. على العكس، كان الانتظار جزءًا من علاقتنا بالألبوم، وربما أول استثمار عاطفي فيه.
نعود بالشريط ونستمع إليه كاملًا. نقرأ أسماء الشعراء والملحنين والموزعين، ونعرف الأغنية الأولى والثانية، ونختلف حول أجملها، ثم نمنح الألبوم فرصة أخرى بعد أيام. بعض الأغنيات التي لم تلفتنا في الاستماع الأول أصبحت لاحقًا الأقرب إلينا. كان الفن يجد الوقت الكافي لكي ينمو في ذائقتنا.
وفي الجهة الأخرى، كان الفنان يدفع ثمن هذا الانتظار عملًا. ألبوم واحد قد يستغرق شهورًا من اختيار النصوص والألحان والتسجيل والتوزيع والمراجعة. وكان صدوره مشروعًا متكاملًا، غلاف، وإعلانات، ومقابلات، وحضور في الصحافة والإذاعة والتلفزيون، ثم حكم الجمهور الذي لا تظهر نتائجه في عداد رقمي بعد ساعات.
اليوم اختُصرت الرحلة كلها تقريبًا.
يمكن لأغنية أن تُنجز وتُطرح وتصل إلى ملايين المستمعين في وقت قياسي. ويمكن تعديلها وإعادة توزيعها وتسويقها وقياس انتشارها بسرعة لم تكن متصورة قبل سنوات. المنصات منحت الفنان استقلالًا أكبر، وفتحت الباب لأصوات كان من الصعب أن تجد طريقها للشهرة. وهذه مكاسب حقيقية لا يصح التعامل معها بمنطق أن الماضي أفضل لمجرد أنه ماضٍ.
المشكلة في مكان آخر، سهولة الوصول غيّرت مقدار الانتباه الذي نمنحه لما يصل.
كنا نشتري ألبومًا فنمنحه وقتًا، لأن الوصول إليه كلّفنا وقتًا ومالًا وانتظارًا. اليوم لدينا ملايين الأغنيات، ولهذا أصبحت الأغنية تدخل في منافسة قاسية لا مع أغنية أخرى فقط، وإنما مع كل شيء على الشاشة. وقد أصبح مطلوبًا منها أن تلفت المستمع سريعًا، وأن تمنحه عبارتها الأشد تأثيرًا مبكرًا، وأن تنتج مقطعًا قابلًا للتداول، لأن ثواني قليلة قد تقرر استمرار المستمع أو انتقاله.
حتى مفهوم النجاح تغيّر. مبيعات الأشرطة كانت رقمًا له دلالة واضحة، أما اليوم فهناك المشاهدات والاستماعات والترند والمشاركة وإعادة الاستخدام. يستطيع فنان جديد، أن يصل خلال أيام إلى أرقام كان تحقيقها يحتاج سنوات، لكن الوصول السريع لا يعني بالضرورة تكوين قيمة فنية بالسرعة نفسها.
وهنا تكمن مفارقة هذا العصر، لم تكن الموسيقى في تاريخها أقرب إلينا مما هي اليوم، وربما لم يكن الاحتفاظ بانتباهنا أصعب مما هو اليوم.
لا أحن إلى الكاسيت باعتباره قطعة بلاستيكية، ولا أعتقد أن جودة الفن كانت مضمونة لمجرد أننا اشتريناه من متجر.
ما أفتقده هو علاقتنا بما نسمع، مقدار الصبر الذي كنا نمنحه للأغنية قبل الحكم عليها، والوقت الذي يسمح لها بأن تصبح ذكرى لا مجرد رقم في قائمة الاستماع.
التقنية لم تقلل قيمة الفن، لكنها ألغت مشقة الوصول إليه. وهنا أصبح العبء أكبر على الفنان نفسه، في السابق كان عليه أن يصل إلينا، أما اليوم فعليه أن يعرف كيف يبقى معنا بعد أن أصبح الوصول إلى الجميع أسهل من أي وقت مضى.